رحيل نصر الدين الدوبلالي: عندما تفقد القلعة الحمراء أحد أبرز بُناتها وتستحضر حقبة المجد
سادت حالة من الحزن العميق في الأوساط الرياضية المغربية عموماً، والبيت الودادي على وجه الخصوص، إثر الإعلان عن رحيل الرئيس الأسبق لنادي الوداد الرياضي، نصر الدين الدوبلالي. لم يكن هذا النبأ مجرد إعلان روتيني عن وفاة شخصية تقلدت منصباً إدارياً في فترة زمنية معينة، بل شكّل صدمة عاطفية لأجيال من عشاق "الأحمر والبيض" الذين ربطوا بين اسمه وحقبة حافلة بالتحديات والإنجازات. لقد سارعت مكونات النادي من إدارة وفصائل جماهيرية، يتقدمها فصيل "وينرز"، إلى التعبير عن بالغ الأسى والتعاطف مع أسرة الفقيد، في مشهد يجسد عمق الوفاء الذي يميز ثقافة هذا النادي العريق. إن رحيل الدوبلالي يمثل طياً لصفحة من صفحات التاريخ الرياضي التي شُيدت بالصبر والتفاني، ويستحضر في أذهان المتابعين تلك اللحظات التاريخية التي وقف فيها الرجل على قمة الهرم التسييري مدافعاً عن ألوان الفريق، ومنافساً بشراسة في الملاعب الوطنية والقارية ليظل الوداد رقماً صعباً في معادلة كرة القدم المغربية.
عند النظر في المسيرة التسييرية للراحل نصر الدين الدوبلالي، نجد أنها تزامنت مع منعطفات حاسمة في تاريخ الكرة المغربية في أواخر التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة. خلال تلك الفترة المعقدة، التي لم تكن فيها الموارد المالية متاحة بالصورة التي نراها اليوم، استطاع الدوبلالي أن يقود سفينة الوداد باقتدار، مقدماً نموذجاً للمسير الذي يجمع بين الحنكة الإدارية والعشق الصادق للشعار. وتظل سنة 2002 إحدى أبرز المحطات المضيئة في عهده، حينما تمكن الفريق من التتويج بلقب كأس الكؤوس الإفريقية على حساب أشانتي كوتوكو الغاني، وهو الإنجاز الذي كسر عقدة قارية استمرت لسنوات طويلة وأعاد هيبة النادي قارياً. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت رؤيته في تتويج الفريق بكأس العرش والبطولة العربية للأندية، ليبرهن على أن العمل القاعدي والاستقرار النفسي داخل غرفة الملابس قادران على صناعة المعجزات رغم شح الإمكانيات. لم يكن الدوبلالي رئيساً يقتصر دوره على توقيع الشيكات، بل كان حاضراً في التفاصيل اليومية، قريباً من اللاعبين ومدركاً لخصوصيات الجماهير الودادية وتطلعاتها اللامحدودة.
إن الموقف المؤثر لفصيل "وينرز" وجماهير المدرج الجنوبي تجاه رحيل الدوبلالي يعكس بوضوح فلسفة العلاقة بين القاعدة الجماهيرية والقيادات التاريخية التي تركت بصمة نقية. ففي عالم كرة القدم الحديث، حيث باتت المصالح المادية والمطامح الشخصية تطغى على العلاقات الإنسانية، يُظهر تقدير "الوينرز" للدوبلالي أن الجماهير الوفية لا تنسى من خدم النادي بنزاهة وتجرد. لقد كان الراحل شخصية كاريزمية تجمع ولا تفرق، وامتلك القدرة على احتواء الأزمات الجماهيرية بالإنصات والحوار بدلاً من التصادم والتجاهل. هذا النعي المشترك بين الإدارة الرسمية والفصيل التشجيعي الأبرز يحمل في طياته دلالة رمزية بالغة الأهمية؛ فهو بمثابة اعتراف جماعي بأن الوداد كيان يقوم على تراكم التضحيات، وأن احترام الرؤساء السابقين الذين قادوا النادي بنجاح يمثل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الأصيلة للأمة الودادية، مما يرسخ تقاليد الاعتراف بالجميل للأجيال القادمة.
من زاوية تحليلية أوسع، فإن رحيل قامات مثل نصر الدين الدوبلالي يدفعنا إلى إجراء مقارنة نقدية بين نمط التسيير الكلاسيكي والنمط المعاصر في أنديتنا الوطنية. في حقبة الدوبلالي، كان الدافع الأساسي لتحمل مسؤولية رئاسة نادٍ بحجم الوداد هو "الغيرة" الرياضية والانتماء الصادق، حيث كان الرؤساء ينفقون من أموالهم وصحتهم الخاصة لضمان بقاء الفريق في القمة، دون انتظار عائد استثماري أو تلميع سياسي. واليوم، بينما تتجه الرياضة نحو الاحتراف والشركات الرياضية، نلاحظ أحياناً جفافاً في المشاعر وافتقاداً للرابط الروحي بين المسير والنادي، مما يجعل تجربة الدوبلالي درساً حياً للمسيرين الجدد. إن النجاح في إدارة الأندية الجماهيرية لا يعتمد فقط على الميزانيات الضخمة وجلب النجوم، بل يتطلب في المقام الأول فهماً عميقاً لثقافة النادي وشغف جماهيره، وهو التوازن الدقيق الذي نجح الراحل في تحقيقه طيلة سنوات قيادته للقلعة الحمراء بحكمة واقتدار.
ختاماً، يغادرنا نصر الدين الدوبلالي بجسده، لكن ذكراه ستظل محفورة بحروف من ذهب في الذاكرة الجمعية للرياضة المغربية وسجلات نادي الوداد الرياضي. إن الإرث الحقيقي الذي يتركه الرجل لا يقاس فقط بعدد الكؤوس والبطولات الموضوعة في خزائن مركب بنجلون، بل بالقيم الإنسانية والروح الرياضية العالية التي جسدها طوال مسيرته، والتي جعلته يحظى باحترام الخصوم والمنافسين قبل الأصدقاء والأنصار. وإذ تعيش العائلة الودادية هذه اللحظات الحزينة، فإن أفضل تكريم يمكن تقديمه لروح الفقيد هو مواصلة مسيرة البناء والتألق، والحفاظ على هيبة النادي ومبادئه التي أفنى الراحل جزءاً كبيراً من حياته في صيانتها والدفاع عنها. رحم الله نصر الدين الدوبلالي وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه ومحبيه والأسرة الرياضية قاطبة جميل الصبر والسلوان.