رهان بزشكيان الجريء: هل تنهي "مذكرة التفاهم" عقدة الصراع الإيراني الأمريكي؟
في خطوة بدت وكأنها كسر لجمود طويل في العلاقات الدولية، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن دعمه لمسار دبلوماسي جديد يتمثل في "مذكرة تفاهم" مع الولايات المتحدة الأمريكية، معتبراً إياها طوق النجاة الوحيد لإخراج بلاده من عنق الزجاجة الذي فرضته حالة "اللا سلم واللا حرب". إن هذا التصريح ليس مجرد تعبير عن رغبة سياسية، بل هو إقرار واقعي بصعوبة الاستمرار في سياسة المواجهة المفتوحة التي استنزفت الموارد وأثرت بشكل مباشر على النسيج الاقتصادي والاجتماعي الإيراني. بزشكيان، الذي يحاول تقديم صورة الرجل البراغماتي في نظام معقد، يدرك أن الاستمرار في هذه المنطقة الرمادية من الصراع لم يعد خياراً مستداماً في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة التي تفرض توازنات قوى جديدة لا تخدم بالضرورة استمرار التوتر الممتد.
من وجهة نظري الشخصية، أرى أن مبادرة بزشكيان تعكس ضغوطاً داخلية هائلة لم تعد تخفى على المراقبين، فالمجتمع الإيراني يتطلع إلى انفراجة حقيقية تنهي العقوبات وتسمح بالاندماج في الاقتصاد العالمي. إن الحديث عن "مذكرة تفاهم" يوحي بأن هناك قنوات تواصل خلفية لم تعد تكتفي بتبادل الرسائل عبر الوسطاء، بل انتقلت إلى محاولة صياغة إطار عمل قانوني أو سياسي يمنع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة قد لا تُحمد عقباها. هذا التوجه يشير إلى وجود رغبة في تحويل الصراع من مواجهة صفرية إلى حالة من الإدارة المتبادلة للمصالح، وهو تحول جذري يتطلب من طهران تقديم تنازلات مؤلمة، وفي المقابل، يضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار حقيقي لمدى جديتها في احتواء التمدد الإيراني عبر الدبلوماسية لا عبر العصا الغليظة.
إن حالة "اللا حرب واللا سلم" التي أشار إليها الرئيس الإيراني هي وصف دقيق للوضع الراهن الذي يكبّل المنطقة بأكملها؛ فهي حالة من الاستنزاف المستمر التي تمنع التنمية الإقليمية وتجعل من الاستثمار والمستقبل السياسي رهينة للتوتر الأمني. عندما يدافع بزشكيان عن هذا الخيار، فهو يحاول توجيه رسالة إلى الصقور داخل النظام الإيراني بأن استراتيجية "الإنكار" أو "التصعيد المحكوم" قد استنفدت أغراضها ولم تعد تحقق المكاسب الاستراتيجية المطلوبة. إن النجاح في تمرير هذه المذكرة يعني الاعتراف بأن الدبلوماسية هي السبيل الوحيد لضمان بقاء النظام ومصلحة الدولة العليا، بعيداً عن أيديولوجيات المواجهة التي أثبتت أنها تزيد من عزلة إيران وتدفع خصومها الإقليميين للتحالف مع القوى الدولية بشكل أكثر شراسة.
ومع ذلك، تظل التساؤلات مشروعة حول مدى قدرة بزشكيان على ترجمة هذا الدعم الكلامي إلى سياسة ملموسة في ظل نظام متعدد مراكز القوى، حيث تظل المؤسسة العسكرية والحرس الثوري هما اللاعب الأقوى في تحديد المسارات الخارجية. إن الوصول إلى مذكرة تفاهم ليس بالأمر الهين في ظل انعدام الثقة التاريخي بين طهران وواشنطن؛ فالشيطان يكمن دائماً في التفاصيل. هل ستقبل واشنطن بتنازلات إيرانية رمزية مقابل رفع العقوبات؟ أم أن المطلوب هو تغيير جوهري في دور إيران الإقليمي؟ هذا هو التحدي الذي سيواجه الطرفين، حيث ستكون المذكرة عرضة للاختراق من قبل التيارات المتشددة في كلا العاصمتين، مما يجعلها رحلة محفوفة بالمخاطر السياسية والدبلوماسية التي قد تطيح بمن يتبناها إذا فشلت في تحقيق وعودها للجمهور.
ختاماً، يمكن القول إن إعلان بزشكيان يمثل لحظة مفصلية في تاريخ السياسة الإيرانية الحديثة؛ فهي محاولة جريئة لإعادة تعريف المصلحة الوطنية بعيداً عن الشعارات الرنانة. وبينما لا يزال الغموض يكتنف بنود هذه المذكرة وما إذا كانت ستتحول إلى اتفاق شامل أو مجرد تفاهمات مؤقتة لخفض التصعيد، فإن مجرد طرح هذا الخيار للنقاش العام يعد اعترافاً بأن المرحلة القادمة تتطلب مرونة أكبر. إن التاريخ لا يرحم الدول التي تصر على الجمود، وربما تكون هذه المذكرة، إذا ما أُديرت بحكمة، هي الجسر الذي يعبر من خلاله الطرفان من ضفة التهديد المتبادل إلى ضفة التعايش القسري القائم على المصالح، لينهي بذلك عقوداً من التوتر الذي دفع ثمنه الجميع دون استثناء.