جبهة إنقاذ "سامير": تكاليف التكرير 5 دراهم عن كل لتر من الغازوال
{ "title": "معضلة المحروقات في المغرب: هل تنهي \"سامير\" مسلسل الغلاء وتحقق السيادة الطاقية؟", "searchDescription": "تحليل لجدوى إعادة تشغيل مصفاة سامير وأثرها على أسعار المحروقات والأمن الطاقي في المغرب في ظل تقلبات السوق الدولية.", "content": "
تتصاعد حدة النقاش الاقتصادي في المغرب حول مستقبل الطاقة، وتحديداً فيما يخص مصير مصفاة \"سامير\" بالمحمدية التي أضحت رمزاً لأسئلة السيادة الطاقية الغائبة. إن طرح الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة لفكرة أن تكاليف التكرير قد تنخفض إلى مستويات قياسية، تصل إلى 5 دراهم للتر الواحد من الغازوال، يضع صانع القرار أمام مقاربة جريئة تتحدى الوضع الراهن الذي يعتمد كلياً على الاستيراد. هذا الطرح ليس مجرد أرقام محاسباتية، بل هو دعوة لإعادة النظر في فلسفة الأمن القومي الطاقي، خاصة عندما ندرك أن تقلبات الأسعار الدولية تبتلع جزءاً كبيراً من ميزانية الأسر والشركات المغربية، مما يجعل الحاجة إلى حلول هيكلية بديلة أمراً لا يحتمل التأجيل.
من وجهة نظري، فإن الرهان على إعادة تشغيل المصفاة يتجاوز مجرد كونه خياراً اقتصادياً؛ إنه ضرورة استراتيجية للتحوط ضد الصدمات الخارجية. إن الاعتماد الكلي على شراء المواد المكررة يضع المغرب تحت رحمة هوامش ربح شركات التكرير الدولية وتكاليف الشحن واللوجستيك التي تشهد اضطرابات متواترة. لو كانت \"سامير\" تعمل بكامل طاقتها اليوم، لتمكن المغرب من تحويل النفط الخام – وهو سلعة أكثر وفرة وأقل تأثراً بالاحتكار – إلى منتجات نهائية داخل حدوده، مما يمنح البلاد مرونة أكبر في التحكم في الأسعار النهائية، ويقلل من استنزاف العملة الصعبة التي تذهب كأرباح لشركات أجنبية تدير عملية التكرير في الخارج لصالح استهلاكنا المحلي.
ومع ذلك، يجب أن نكون واقعيين في قراءتنا للمشهد؛ فإعادة التشغيل لا تعد "عصا سحرية" يمكنها حل كل المشاكل بين عشية وضحاها. إن تقادم التجهيزات وتوقف العمل لسنوات طويلة يتطلب استثمارات ضخمة في التأهيل والصيانة التكنولوجية لتواكب المصفاة المعايير البيئية والإنتاجية الحديثة. كما أن الجدل القانوني والمديونية العالقة لهذه المنشأة يمثلان عائقاً حقيقياً يتطلب إرادة سياسية قوية لتفكيكه. إن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه ليس فقط عن تكلفة التكرير، بل عن ضمانة استدامة هذا المشروع في سوق عالمية تتجه تدريجياً نحو الطاقات المتجددة، وهو ما يفرض أن تكون المصفاة جزءاً من منظومة طاقية متكاملة وليست مجرد حل ظرفي لمواجهة غلاء الغازوال.
إن القيمة المضافة لإعادة تشغيل المصفاة تكمن أيضاً في خلق فرص شغل متخصصة، وتنشيط قطاع الصناعات البتروكيماوية الذي يمكن أن يغذي صناعات أخرى كالبلاستيك والمواد الكيميائية. إن الاكتفاء بـ 5 دراهم كتكلفة تكرير كفكرة أساسية يفتح الباب أمام خفض الضغط الضريبي أو تقليص هامش الربح الذي تتنافس عليه شركات التوزيع حالياً. إذا استطاعت الدولة المغربية إعادة الحياة لهذه المصفاة، فإنها سترسل إشارة قوية للأسواق بأن السيادة الطاقية ليست مجرد شعار، بل هي قدرة وطنية على إدارة الموارد وتصنيعها محلياً لخدمة المستهلك البسيط الذي أرهقته فواتير التنقل والإنتاج.
خلاصة القول، إن ملف \"سامير\" هو اختبار حقيقي لقدرة المغرب على اتخاذ قرارات سيادية شجاعة في ملفات استراتيجية معقدة. إن خيار الاستمرار في وضع اليد على الخد أمام تقلبات السوق العالمية لم يعد مجدياً في ظل الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة. إننا بحاجة إلى رؤية تقنية واضحة ومسار قانوني سليم يُعيد المصفاة للعمل، ليس فقط كشركة تجارية، بل كرافعة اقتصادية تساهم في تثبيت استقرار الأسعار وضمان ديمومة التموين الوطني. إن الوقت يمر، وكل يوم يمر دون حل نهائي هو تكلفة إضافية يتحملها الاقتصاد الوطني والمواطن المغربي على حد سواء.
" }