سويسرا أمام مفترق طرق: هل يكتب الحياد التاريخي فصلاً جديداً أم ينتهي في دهاليز الأزمات الدولية؟
شهدت العاصمة السويسرية برن مشهداً لافتاً يوم السبت الماضي، حيث احتشد مئات المواطنين أمام مقر القصر الفيدرالي في مظاهرة تعكس عمق التصدع السياسي والاجتماعي الذي يمر به هذا البلد الأوروبي الذي لطالما اتخذ من عدم الانحياز هويةً له. هذا التحرك الشعبي لم يأتِ من فراغ، بل هو إرهاصٌ لاقتراع وطني حاسم سيجرى في السابع والعشرين من شهر سبتمبر الجاري، حيث سيتعين على الناخبين البت في مبادرة دستورية تطالب بوضع قيود صارمة على المبدأ التقليدي للحياد السويسري. إن هذه اللحظة التاريخية تعيد طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الدول الصغيرة على التمسك بمواقفها التقليدية في عالم يموج بالاستقطابات الحادة، خاصة في ظل ضغوط الجيوسياسية التي تفرضها الأزمات الدولية المتلاحقة، والتي جعلت حتى أكثر الدول تمسكاً بالسلام تبدو وكأنها في سباق مع الزمن لتحديد اصطفافاتها الاستراتيجية.
من وجهة نظري، يمثل هذا الجدل السويسري صراعاً بين جيلين ورؤيتين للعالم؛ فمن جهة، هناك التيار الذي يرى في الحياد إرثاً مقدساً وضمانة للأمن القومي والتميز الاقتصادي، معتبراً أن أي تقارب مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو أي منظمة عسكرية هو بمثابة انتحار استراتيجي قد يحول سويسرا من واحة للسلام إلى هدف في نزاعات لا ناقة لها فيها ولا جمل. في المقابل، يرى الطرف الآخر، وخاصة الأجيال الشابة وبعض القوى السياسية الليبرالية، أن مفهوم الحياد التقليدي أصبح متجاوزاً زمنياً وغير واقعي في ظل حروب هجينة وتحديات أمنية عالمية تتطلب تعاوناً وثيقاً مع الجيران، معتبرين أن الانغلاق ليس وسيلة للحماية بل قد يكون طريقاً للعزلة الدولية التي ستضعف مكانة سويسرا كوسيط دبلوماسي عالمي وكمركز للنشاط الإنساني والمالي.
إن ما نراه اليوم في شوارع برن ليس مجرد احتجاج عابر، بل هو محاكاة للتحولات الكبرى في العقيدة العسكرية والأمنية لأوروبا بأكملها. فحتى الدول التي كانت توصف بأنها محايدة تاريخياً مثل السويد وفنلندا قد تخلت عن هذا النهج، مما يجعل سويسرا تبدو كأنها الحصن الأخير المتمسك بالحياد. هذا الوضع يضع صانع القرار السويسري في مأزق أخلاقي وسياسي؛ فالحفاظ على الحياد قد يعني خسارة المظلة الأمنية الغربية، بينما الانحياز قد يؤدي إلى فقدان الهوية الفريدة للبلاد التي جعلت منها مقراً لمنظمات الأمم المتحدة ومركزاً للمفاوضات الدولية. هذا الانقسام الشعبي يعكس حالة من القلق الجماعي حيال المستقبل، حيث يخشى المواطنون من أن يؤدي التغيير في العقيدة الدبلوماسية إلى تغيير جذري في نمط الحياة السويسري المستقر.
أعتقد أن النتيجة التي ستفرزها صناديق الاقتراع نهاية الشهر ستكون بمثابة بوصلة ستحدد مسار السياسة الخارجية لسويسرا للعقود القادمة. فإذا ما انتصرت المبادرة الشعبية، فقد نرى انكماشاً سويسرياً في المشاركة بالعمليات الدولية التي قد تُفسر على أنها انحياز، وهذا سيحد بلا شك من الدور المحوري الذي تلعبه سويسرا في حل النزاعات الدولية. أما في حال رفض المبادرة، فإن ذلك سيعطي الضوء الأخضر للحكومة الفيدرالية لتعميق الشراكات العسكرية مع الغرب، مما قد يثير حفيظة قوى دولية أخرى ويفتح باباً لتوترات دبلوماسية كانت سويسرا تتجنبها دائماً بفضل توازنها الدقيق. إنها مقامرة ديمقراطية كبرى، حيث يضع المواطنون مصيرهم الأمني على طاولة الاقتراع في مشهد ديمقراطي قل نظيره في العالم المعاصر.
في ختام هذه القراءة، يجب أن ندرك أن مفهوم الحياد في القرن الحادي والعشرين لم يعد ذلك الدرع الذي يحمي الدولة من تداعيات الحروب كما كان في العصور السابقة. إن التداخل الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري يجعل من الصعب جداً على أي دولة أن تقف تماماً على الحياد دون أن تتأثر أو أن تؤثر في موازين القوى. إن التجربة السويسرية الراهنة هي درس بليغ للعالم أجمع؛ فهي تذكرنا بأن الاستقرار ليس حالة ثابتة، بل هو عملية ديناميكية تتطلب إعادة تقييم مستمرة للقيم والمبادئ في مواجهة واقع دولي متغير. سواء اختارت سويسرا البقاء على حيادها المطلق أو الانخراط في تحالفات أوسع، فإن القرار سيكون تعبيراً عن إرادة شعب اختار أن يقرر مصيره بنفسه، حتى وإن كان هذا الطريق محفوفاً بالغموض والمخاطر السياسية.