معضلة الثقة والدم: لماذا تتعثر مسارات نزع سلاح حماس وسط دوي المدافع؟
تتصاعد حدة التوترات في أروقة السياسة الدولية، حيث تبرز فجوة عميقة بين الطروحات الدبلوماسية والواقع الميداني الدامي في قطاع غزة. في وقت يراهن فيه الوسطاء على إمكانية التوصل إلى صيغ توافقية تضمن نزع السلاح كمدخل للاستقرار، تبدي الأوساط السياسية في تل أبيب شكوكاً عميقة تجاه هذه المسارات. إن إبلاغ الجانب الإسرائيلي للبيت الأبيض بمخاوف أمنية وجودية لا يعكس مجرد تحفظات تكتيكية، بل يشير إلى أزمة ثقة متجذرة في جدوى أي اتفاق لا يضمن هيمنة أمنية كاملة. هذا التحرك يعيد طرح التساؤل الأزلي حول إمكانية بناء السلام فوق أنقاض الحروب، في وقت لا تزال فيه آلة الحرب الإسرائيلية تحصد أرواح المدنيين، وهو ما ينسف عملياً أي مناخ مهيأ للتفاوض، ويحول اتفاقات نزع السلاح إلى مجرد حبر على ورق في ظل استمرار سياسة التصعيد العسكري.
إن وجهة نظري تجاه هذا الملف تتلخص في أن إسرائيل تستخدم ورقة "نزع السلاح" كذريعة لإطالة أمد المواجهة العسكرية، مدركةً أن قبول حماس بمثل هذه الشروط يمثل انتحاراً سياسياً للحركة، بينما رفضها يمنح تل أبيب ضوءاً أخضر دولياً للاستمرار في عملياتها. نحن أمام حلقة مفرغة؛ فكلما ارتفعت نبرة التشكيك الإسرائيلية، زادت وتيرة الغارات التي تستهدف المدنيين العزل، مما يؤدي إلى تعميق الشعور بالظلم وتغذية الرغبة في المقاومة بدلاً من كبحها. إن المقاربة الإسرائيلية التي ترتكز على القوة الخشنة لتحقيق أهداف أمنية طويلة المدى قد أثبتت فشلها تاريخياً، وبدلاً من التركيز على نزع السلاح عبر الآليات الدولية، نجد أن التركيز ينصب على تقويض البنية التحتية للحياة في القطاع، وهو ما لا يمكن وصفه إلا بخطوة تبتعد عن جوهر الحل السلمي.
فيما يتعلق بالجانب الإنساني، فإن مقتل المزيد من الضحايا، بمن فيهم الأطفال، خلال العمليات الليلية الأخيرة، يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي حقيقي. إن الحديث عن اتفاقيات نزع السلاح بينما تُقصف المناطق المأهولة بالسكان يعتبر استهزاءً بالمعايير الإنسانية. إن التشكيك الإسرائيلي في صدق نوايا الأطراف الأخرى لا يبرر بأي حال من الأحوال استهداف المدنيين. وفي رأيي، فإن هذه العمليات العسكرية المستمرة هي العقبة الحقيقية أمام أي تقدم دبلوماسي، فهي تخلق حالة من عدم اليقين لدى حماس حول ما إذا كان الهدف هو "نزع السلاح" أم "نزع الوجود"، مما يدفع الأطراف المتصارعة إلى التمسك بمواقفها الراديكالية لضمان بقائها، ويجعل من فكرة التهدئة المستدامة أمراً بعيد المنال في المدى المنظور.
إن الدور الأمريكي في هذه المعادلة يبدو محيراً؛ فبينما تحاول واشنطن دفع عجلة المفاوضات لمنع توسع رقعة الصراع إقليمياً، نجدها عاجزة أو ربما غير راغبة في الضغط بجدية على تل أبيب لوقف التصعيد الذي ينسف تلك الجهود. هذا التناقض يضع إسرائيل في وضع مريح يمكنها فيه التشكيك في المسارات الدبلوماسية علناً، بينما تستمر في تنفيذ أجندتها الميدانية سراً. إن غياب ضغط دولي حقيقي يربط بين وقف إطلاق النار وتقديم ضمانات أمنية متبادلة يجعل من مسألة نزع سلاح حماس أشبه بمهمة مستحيلة، حيث تفتقد هذه العملية للأساس السياسي والاجتماعي الذي يمكن أن يجعلها مقبولة لدى القاعدة الشعبية في غزة التي ترى في السلاح وسيلتها الوحيدة للصمود.
ختاماً، إن أزمة الثقة التي تعتري ملف نزع سلاح حماس هي انعكاس طبيعي لصراع طويل الأمد تغلبت فيه العقلية الأمنية على الحكمة السياسية. لا يمكن لأي اتفاق أن ينجح في ظل غياب العدالة، وبقاء غزة تحت حصار ونيران مستمرة. إن السبيل الوحيد للخروج من هذه المتاهة ليس بمزيد من التشكيك أو التصعيد، بل بضرورة الانتقال من منطق "إدارة الصراع عبر السلاح" إلى منطق "حل الصراع عبر السياسة". ستبقى هذه التدوينة شاهداً على مرحلة مفصلية، حيث يضيع المدنيون بين سندان نزاعات الفصائل ومطرقة السياسات الإسرائيلية، مما يستوجب تحركاً دولياً فورياً يتجاوز لغة التصريحات إلى اتخاذ خطوات حقيقية لوقف حمام الدم، كخطوة أولى نحو استعادة الحد الأدنى من الثقة الضرورية لأي تسوية مستقبلية.