دوامة العنف في اليمن: دماء المدنيين وثمن الصراعات الإقليمية المفتوحة
شهدت الساحة اليمنية خلال الساعات الماضية فصلاً جديداً من فصول المأساة المستمرة، حيث استهدفت هجمات مكثفة شنتها جماعة الحوثي مدناً ومناطق خاضعة لسلطة الحكومة المعترف بها دولياً. هذا التصعيد لم يكتفِ بضرب الجبهات العسكرية، بل امتدت نيرانه لتطال أحياء مدنية في مدينة المخا، مما أسفر عن سقوط ضحايا أبرياء في حصيلة مفجعة تعيد تذكير العالم بأن المدنيين هم دائماً وقود هذه الحرب المنسية. إن الهجوم المزدوج، الذي ترافق مع محاولات لاستهداف منشآت حيوية في عمق الجارة السعودية، يعكس تحولاً تكتيكياً يقصد منه إيصال رسائل سياسية دموية تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية لتصل إلى أروقة المفاوضات الدولية والمصالح الاقتصادية العالمية.
في تحليلي الخاص لهذا التصعيد، أرى أن جماعة الحوثي تسعى من خلال هذه الهجمات إلى خلط الأوراق في مرحلة تتسم بالجمود السياسي. إن استهداف منشأة تابعة لشركة أرامكو في جيزان ليس مجرد فعل عسكري عابر، بل هو محاولة لاستخدام ورقة الطاقة العالمية كورقة ضغط في الصراع الإقليمي. هذا السلوك يثير تساؤلات جوهرية حول مدى جدية الدعوات للسلام، فبينما يطالب المجتمع الدولي بوقف إطلاق النار وإفساح المجال للحلول الدبلوماسية، تؤكد الوقائع على الأرض أن لغة السلاح لا تزال هي المهيمنة، وأن هناك جهات ترى في استمرار الفوضى مصلحة استراتيجية تضمن لها البقاء والاستمرار في فرض شروطها على الطاولة.
إن المشهد في مدينة المخا يعكس فداحة الثمن الذي يدفعه اليمنيون، فخسارة ثمانية عسكريين وثلاثة مدنيين في هجوم واحد، بالإضافة إلى عشرات الجرحى، هو نزيف لا يمكن إيقافه إلا بقرار دولي حاسم يضع حداً لتدفق الأسلحة والتقنيات العسكرية المتطورة التي باتت بحوزة هذه الميليشيات. إن الطائرات المسيّرة والصواريخ التي استخدمت في هذه الهجمات تكشف عن وجود دعم لوجستي وتقني يمنح المهاجمين قدرة غير متكافئة على ضرب أهداف بعيدة المدى، وهو ما يغير طبيعة الصراع من مواجهة محلية إلى صراع إقليمي يتطلب استراتيجيات أمنية مختلفة تماماً لحماية المنشآت الحيوية وضمان سلامة المدنيين في المناطق المحررة.
من وجهة نظري، يكمن الخطأ الاستراتيجي في التعامل مع الأزمة اليمنية في تكرار محاولات التهدئة الجزئية دون معالجة جذور الأزمة، وهي احتكار السلاح من قبل طرف واحد. إن أي مقاربة لا تستند إلى فرض سيادة الدولة اليمنية على كامل ترابها الوطني ستظل قاصرة. إن المجتمع الدولي يقع عليه عبء أخلاقي وقانوني للتحرك بشكل أسرع لمنع انزلاق المنطقة نحو حرب مفتوحة، خاصة وأن استهداف المنشآت النفطية الدولية يهدد الأمن الاقتصادي العالمي، مما يحول القضية اليمنية من شأن محلي إلى قضية تمس أمن الإمدادات العالمية للطاقة، وهو ما قد يستدعي تدخلات دولية أكثر صرامة في الفترة المقبلة.
ختاماً، إن دوامة العنف هذه لن تفضي إلا إلى مزيد من الدمار والتمزق الاجتماعي. إن ضحايا المخا والجرحى في كل مكان يستحقون أكثر من مجرد إدانات خجولة أو تقارير إخبارية عابرة؛ إنهم يستحقون حلاً ينهي حقبة الحرب التي سرقت مستقبل أجيال كاملة. لا يمكن بناء سلام حقيقي على جماجم الضحايا، ولا يمكن للسياسة أن تزدهر في ظل دوي الانفجارات. يبقى الأمل معقوداً على وعي القوى الفاعلة بأن الاستمرار في سياسة حافة الهاوية لن يربح فيه أحد، وأن الطريق الوحيد للخروج من هذه النفق المظلم هو العودة إلى الحوار الوطني الشامل الذي يضع كرامة اليمني وأمنه فوق كل الحسابات الأيديولوجية والسياسية الضيقة.