رهان زامبيا الكبير: هل يمتلك هيشيليما خارطة طريق للخروج من عنق الزجاجة؟
شهدت شوارع زامبيا احتفالات صاخبة تجسد آمال الملايين الذين وضعوا ثقتهم مجدداً في الرئيس هاكايندي هيشيليما، في مشهد يعكس رغبة الشعب في الاستقرار والتغيير. إن إعادة انتخابه ليست مجرد تجديد للثقة السياسية، بل هي تفويض شعبي لانتشال البلاد من حالة الركود التي طال أمدها، حيث يرى أنصاره في شخصيته التكنوقراطية القادرة على إدارة ملفات الدولة المعقدة بصورة مغايرة عمن سبقوه. ومع ذلك، فإن هتافات الفرح في العاصمة لوساكا تخفي خلفها تساؤلات حقيقية حول قدرة الرجل على تحويل الوعود الانتخابية إلى واقع ملموس في ظل ميزانية تئن تحت وطأة الديون الخارجية وتضخم متزايد ينهش القوة الشرائية للمواطن البسيط.
في تقديري الشخصي، يواجه هيشيليما ما يمكن تسميته بـ "فخ التوقعات المرتفعة"، حيث يتوقع الشارع الزامبي تحولات جذرية وسريعة في مستوى المعيشة، بينما تفرض الحقائق الاقتصادية الدولية قيوداً صارمة على حركة أي حكومة. إن التحدي الحقيقي أمام الرئيس لا يكمن في السياسة الخارجية أو التحالفات الإقليمية، بل في إعادة هيكلة الاقتصاد الداخلي الذي يعتمد بشكل مفرط على تصدير النحاس. يتطلب الأمر رؤية استراتيجية تتجاوز الحلول المسكنة، مثل خلق بيئة استثمارية جاذبة للقطاع الخاص وتطوير قطاع الزراعة الذي يمثل شريان الحياة للغالبية العظمى من سكان المناطق الريفية الذين يعانون من تهميش تاريخي، وهو ما سيختبر بالفعل مدى صدق نوايا الإصلاح لدى الإدارة الجديدة.
إن الاقتصاد الزامبي يمر اليوم بمرحلة مفصلية، حيث تتصادم طموحات التنمية مع واقع العجز المالي. إذا أراد هيشيليما أن يكتب قصة نجاح تُدرس في أدبيات السياسة الأفريقية، فعليه أن يمتلك الشجاعة لاتخاذ قرارات تقشفية مؤلمة على المدى القصير، مع ضمان حماية الفئات الأكثر هشاشة. إن الاعتماد على المؤسسات المالية الدولية قد يوفر سيولة نقدية ضرورية، لكنه سلاح ذو حدين، حيث يحد من السيادة الوطنية في اتخاذ القرارات الاقتصادية المستقلة. ومن وجهة نظري، يجب على الحكومة الانتقال من عقلية "إدارة الأزمات" إلى عقلية "التخطيط التنموي المستدام"، عبر الاستثمار في الكوادر البشرية وتوطين التكنولوجيا، وهي خطوات صعبة ولكنها حتمية للنجاة من فخ الديون الذي يهدد استقرار البلاد.
علاوة على ذلك، لا يمكن فصل الاقتصاد عن المشهد السياسي والاجتماعي؛ فالتلاحم الشعبي الذي ظهر أثناء الاحتفالات يمنح هيشيليما رصيداً سياسياً كبيراً يمكن استثماره في تمرير إصلاحات هيكلية جريئة. لكن هذا الرصيد قد يتآكل بسرعة إذا استمر الفساد المؤسسي أو إذا شعر المواطنون أن النخبة السياسية تعيش في وادٍ والناس في وادٍ آخر. إن الحوار الوطني الشامل الذي يشرك الشباب والقطاع المهني سيكون هو الميزان الذي سيحدد نجاح فترته الرئاسية؛ فالشعب الزامبي اليوم أكثر وعياً بمطالبه، ولن يكتفي بالوعود الرنانة التي فقدت بريقها في السنوات السابقة، بل سيبحث عن نتائج ملموسة في جيوب الفقراء وعلى موائد العائلات.
ختاماً، يمكن القول إن فوز هيشيليما يمثل بداية طريق طويل ومحفوف بالمخاطر، وليس نهاية الرحلة. إن التاريخ لا يرحم الزعماء الذين يكتفون بالاحتفال بالانتصارات الانتخابية دون بناء قواعد اقتصادية صلبة. زامبيا تمتلك من الموارد ما يؤهلها لتكون عملاقاً إقليمياً، والكرة الآن في ملعب الرئيس لإثبات أن هذا الانتصار لم يكن مجرد صدفة سياسية، بل هو الخطوة الأولى نحو نهضة اقتصادية حقيقية تتسع للجميع. إن النجاح في تجاوز هذا الفخ الاقتصادي لا يتطلب فقط مهارات مالية، بل يتطلب رؤية أخلاقية تضع مصلحة المواطن الزامبي فوق كل اعتبار، وهو الاختبار الحقيقي الذي سيحكم به التاريخ على ولاية هيشيليما القادمة.