حراك طلبة التمريض بشمال المغرب يشتعل: صرخة من أجل التعويضات ومستقبل مهني عادل
تشهد جهة طنجة تطوان الحسيمة حراكاً طلابياً ومهنياً متصاعداً يلقي بظلاله على مستقبل قطاع حيوي في المملكة. ففي خطوة تعكس تراكماً لمشاعر الإحباط والقلق، أعلن طلبة وخريجو المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة في مدن طنجة وتطوان والحسيمة عن برنامج احتجاجي موسع، يهدف إلى تسليط الضوء على جملة من المطالب الملحة التي تمس صميم تكوينهم ومستقبلهم المهني. يأتي هذا التصعيد في سياق يطالب فيه هؤلاء الشباب، الذين يشكلون العمود الفقري لأي منظومة صحية، بتسوية عادلة لملفات أساسية، وفي مقدمتها صرف التعويضات المستحقة عن التداريب الاستشفائية، التي يعتبرونها حقاً مكتسباً وضرورة لدعم مسارهم التكويني، إضافة إلى توفير مناصب شغل كافية تضمن لهم كرامة مهنية وتتلاءم مع الحاجة الماسة للبلاد لأطر صحية مؤهلة.
تُعد قضية التعويضات عن التداريب الاستشفائية نقطة محورية في هذا النزاع المستمر. فخلال فترات التكوين العملي الطويلة والشاقة التي يقضيها طلبة التمريض وتقنيات الصحة داخل المستشفيات والمراكز الصحية، يقدمون خدمات حيوية تدعم المنظومة الصحية وتخفف العبء على الأطر العاملة، وتُعتبر هذه التداريب جزءاً لا يتجزأ من المناهج الدراسية، حيث يكتسبون خلالها الخبرة العملية اللازمة. ورغم أهمية هذه المهام والجهد المبذول، يشتكي الطلبة من التأخير المزمن في صرف التعويضات المخصصة لهذه التداريب، أو حتى غيابها في بعض الأحيان، مما يضعهم أمام صعوبات مادية جمة. فبالنسبة للعديد منهم، تمثل هذه التعويضات دعماً أساسياً لتغطية مصاريف التنقل والإقامة وتكاليف المعيشة، خاصة القادمين من أسر ذات دخل محدود، ويولد عدم تسوية هذا الملف شعوراً عميقاً بعدم التقدير لجهودهم وتضحياتهم في خدمة الصالح العام.
أما المطلب الثاني، والأكثر استراتيجية، فيتمحور حول توفير مناصب شغل كافية لخريجي هذه المعاهد. فالمغرب، وفي إطار رؤيته الطموحة لتعميم التغطية الصحية الشاملة وتعزيز جودة الخدمات الصحية، يواجه نقصاً هيكلياً في الأطر الصحية، خاصة في التمريض. ورغم ذلك، يجد الآلاف من الخريجين سنوياً أنفسهم أمام أبواب سوق الشغل الموصدة، أو يضطرون للقبول بظروف عمل غير مستقرة في القطاع الخاص، بأجور زهيدة لا تتناسب مع سنوات التكوين الأكاديمي والعملي التي قضوها. هذا التناقض الصارخ بين الحاجة الملحة للبلاد إلى كفاءات تمريضية وتقنية وبين محدودية فرص التوظيف الحكومي، يثير تساؤلات جدية حول مدى نجاعة التخطيط الاستراتيجي في قطاع الصحة والموارد البشرية. إن عدم استيعاب هذا العدد المتزايد من الخريجين لا يشكل إهداراً لرأس مال بشري حيوي فحسب، بل يحبط طموحات شباب اختار مهنة نبيلة لخدمة المجتمع، ويدفعه نحو اليأس أو البحث عن فرص في الخارج.
يعكس برنامج الاحتجاجات المعلن، الذي يشمل تحركات منسقة في طنجة وتطوان والحسيمة، مدى توحد وتنسيق الجهود بين طلبة وخريجي المعاهد العليا للمهن التمريضية على مستوى الجهة. فلم تعد هذه المطالب مجرد صرخات فردية، بل تحولت إلى حراك جماعي منظم يهدف إلى إيصال صوتهم بوضوح إلى صانعي القرار والجهات المسؤولة. ومن المتوقع أن تشمل هذه التحركات وقفات احتجاجية، مسيرات سلمية، وربما مقاطعة لبعض الأنشطة، في تصعيد يرمي إلى دفع السلطات نحو اتخاذ إجراءات فعلية وملموسة. فالطلبة والخريجون يرون في هذه الاحتجاجات الوسيلة الأخيرة المتاحة لهم للدفاع عن حقوقهم ومستقبلهم، في ظل ما يعتبرونه مماطلة وتجاهلاً لمطالبهم المشروعة التي طال انتظارها.
تتجاوز تداعيات هذه الأزمة مجرد كونها مطالب فئوية، لتلامس جوهر التحديات التي تواجه المنظومة الصحية المغربية برمتها، خاصة في ظل سياق ورش الحماية الاجتماعية وتعميم التغطية الصحية. فجودة الخدمات الصحية وفعاليتها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود أطر تمريضية وتقنية مؤهلة، محفزة، ومستقرة مهنياً. استمرار هذه الأزمة دون حلول جذرية قد يؤثر سلباً على جودة الرعاية الصحية المقدمة للمواطنين في المستقبل، وقد يدفع بالعديد من الكفاءات الشابة إلى البحث عن فرص عمل خارج الوطن (ما يعرف بهجرة الأدمغة)، مما سيفاقم من مشكلة النقص الحاد في الأطر الصحية، ويضعف قدرة المغرب على تحقيق أهدافه التنموية في هذا القطاع الحيوي الذي يمثل ركيزة أساسية لأي تقدم مجتمعي.
إن هذه الأزمة تستدعي تدخلاً عاجلاً وحلولاً شاملة ومستدامة من قبل السلطات المعنية، وعلى رأسها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، ووزارة المالية. يجب فتح قنوات حوار جادة وبناءة مع ممثلي الطلبة والخريجين للاستماع إلى مطالبهم وتقديم إجابات واضحة وحلول ملموسة ضمن آجال زمنية محددة. فمن الضروري تسوية ملف التعويضات المتأخرة بشكل فوري لرد الاعتبار للطلبة وتخفيف الأعباء عنهم، بالتوازي مع وضع خطة واضحة ومستدامة لتوفير مناصب شغل كافية للخريجين الجدد، بما يتناسب مع حجم الإنتاج السنوي لهذه المعاهد ومع الاحتياجات الحقيقية للمنظومة الصحية. إن الاستثمار في الأطر الصحية وتوفير ظروف عمل لائقة ومستقبل مهني واضح لهم، هو استثمار في صحة المواطنين وفي مستقبل التنمية البشرية للمملكة. تجاهل هذه المطالب لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتفاقم الاحتقان، مما يستدعي يقظة وتدخلاً حكيماً لضمان استقرار هذا القطاع الحيوي. فالرهان على جودة الرعاية الصحية يبدأ من تقدير ورعاية من سيقدمونها.
.