المرزوقي يرفع الصوت: «شذوذ» سياسي يُهدد وشائج المغرب العربي
في خطوة لافتة تعكس قلقًا عميقًا على مستقبل العلاقات الإقليمية، أطلق الرئيس التونسي الأسبق، المنصف المرزوقي، تحذيرًا صريحًا من سياسات الرئيس الحالي قيس سعيد تجاه المغرب. جاء هذا التصريح القوي خلال ندوة في الرباط، لم تكن مجرد مداخلة عادية، بل كانت صرخة مدوية تستهدف إعادة توجيه بوصلة الدبلوماسية التونسية نحو إرثها العريق من التقارب والتفاهم المغاربي، متجاوزة ما وصفه المرزوقي بـ«الشذوذ» الدبلوماسي الحالي.
وصف المرزوقي تصريحات سعيد تجاه الشقيقة المغرب بـ«الشاذة»، وهي كلمة تحمل في طياتها دلالات عميقة، إذ تشير إلى خروج عن المألوف والطبيعي في مسار العلاقات الدبلوماسية الراسخة. هذا الوصف، الصادر عن رئيس سابق شهد على فترات مختلفة من تاريخ تونس الدبلوماسي، يُسلط الضوء على ما يراه انحرافًا خطيرًا عن المبادئ التي قامت عليها السياسة الخارجية التونسية منذ عهد المؤسس بورقيبة، والتي حافظت دائمًا على خط ثابت من الاحترام المتبادل والتعاون مع جيرانها في الفضاء المغاربي.
لم يكتفِ المرزوقي بالانتقاد، بل امتدت دعوته إلى مطلب أكثر شمولية وأهمية: إعادة إحياء البيت المغاربي. فالاتحاد المغاربي، الذي طالما كان حلمًا ومسعى لتقوية المنطقة اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، يمر بحالة من الجمود لم تعد تخدم مصالح شعوب المنطقة. إن هذه الدعوة تعيد إلى الأذهان الإمكانات الهائلة التي تكمن في تفعيل هذا الكيان، من تعزيز التجارة البينية إلى تنسيق المواقف الدبلوماسية، مما يعزز موقع المنطقة على الساحة الدولية.
من وجهة نظري، فإن تصريحات المرزوقي، بغض النظر عن سياقها السياسي الداخلي التونسي، تحمل رسالة بالغة الأهمية. إنها تذكير بأن الوحدة المغاربية ليست مجرد شعار، بل هي ضرورة استراتيجية في عالم يتكتل. الخلافات الحالية بين الدول المغاربية، التي تبدو أحيانًا وكأنها متعمدة لإبقاء شعلة الاتحاد خافتة، تُضعف الجميع. فإذا كان هناك من يرى في الفرقة قوة، فإن التاريخ والجغرافيا يثبتان عكس ذلك تمامًا، فالقوة تكمن في التآزر والتعاون.
إن نداء المرزوقي من الرباط ليس مجرد استحضار للماضي، بل هو محاولة لرسم طريق للمستقبل. إنه يطرح تساؤلات جدية حول الكلفة الحقيقية لاستمرار الشقاق، ويحث على تجاوز النزاعات الظرفية لرؤية الصورة الأكبر: مستقبل تتشارك فيه شعوب المنطقة ازدهارها وتحدياتها. يبقى الأمل معلقًا على حكمة القادة وإدراكهم لأهمية إعادة الحياة لهذا المشروع الذي طال انتظاره.