العمل المنزلي: جدلية التثمين بين الاعتراف الاجتماعي وهاجس 'الاقتطاع من جيب الزوج'

العمل المنزلي: جدلية التثمين بين الاعتراف الاجتماعي وهاجس 'الاقتطاع من جيب الزوج'


لأجيال طويلة، ظل العمل المنزلي في صميم حياة الأسرة والمجتمع، يمثل العمود الفقري الذي يحمل الأعباء اليومية دون أن يُدرج في سجلات الناتج المحلي الإجمالي أو تحت مجهر الإحصاءات الرسمية. هو ما نطلق عليه «الرأسمال البشري غير المرئي»؛ جهدٌ لا يُحصى ولا يُقدر مادياً، يقع غالبًا على عاتق النساء، ويضمن استمرارية الإنتاجية خارج المنزل. في خطوة تصب في خانة الاعتراف المتأخر بهذا الجهد، أعلنت الحكومة المغربية، ممثلة في وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، عن دراستها لآليات عملية لـ «تثمين» هذا العمل. هذا الإعلان، وإن كان مرحبًا به كمبدأ، سرعان ما أشعل فتيل الجدل حول الجانب الأكثر حساسية في المعادلة: التمويل. فبمجرد تداول فكرة تمويل هذا التثمين عبر آليات قد تصل إلى الاقتطاع المباشر من أجور الأزواج، ارتفعت أصوات الهيئات الحقوقية محذرة من «المس بالأجور». لم يعد النقاش يدور حول ضرورة الاعتراف، بل حول العدالة في تحمل كلفة هذا الاعتراف، وكيفية صياغة آلية اقتصادية لا تفكك نسيج العلاقة الزوجية المستقرة، بل تدعمها وتكرمها في آن واحد.

إن الحاجة إلى تثمين العمل المنزلي تنبع من إدراك عميق لـ «كلفة الفرصة الضائعة» التي تتحملها ربات البيوت. هذا العمل لا يقتصر على الطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى الإدارة اللوجستية للأسرة، والتخطيط المالي، وتوفير الدعم العاطفي، وهي مهام تستهلك ساعات طويلة تمنع المرأة من الاندماج في سوق العمل المأجور، وتحرمها من بناء ضمان اجتماعي أو تقاعد يحميها مستقبلاً. الأرقام العالمية تشير إلى أن قيمة هذا العمل غير المأجور تتجاوز تريليونات الدولارات سنوياً إذا تم احتسابها بأسعار السوق. بالتالي، فإن سعي الحكومة لدمج هذا الجهد ضمن دائرة التقدير المادي والاجتماعي هو خطوة ضرورية لإنهاء حالة الهشاشة الاقتصادية التي تعيشها فئة كبيرة من النساء، وضمان حقهن في الكرامة والأمان الاقتصادي عند التقدم في السن أو في حالات الانفصال. لكن تحقيق هذا الهدف النبيل يتطلب تجاوز النظرة القاصرة للتمويل واعتبارها مسؤولية مشتركة بين الأفراد والمجتمع والدولة، وليس مجرد ضريبة جديدة تُفرض على طرف واحد في العلاقة الزوجية.

الرفض الحقوقي القاطع لفكرة الاقتطاع من أجور الأزواج كآلية تمويل يرتكز على منطق سليم ومخاوف مشروعة. المنظمات الحقوقية ترى في هذا الإجراء تحويلاً لمسؤولية مجتمعية شاملة إلى عقوبة اقتصادية تُفرض على الزوج، مما يهدد بإحداث تصدع داخل البنية الأسرية. إن ربط 'تثمين' جهد الزوجة بالاقتطاع الإجباري من أجر الزوج قد يُحوّل فكرة الاعتراف إلى مصدر للنزاع والتوتر المالي داخل المنزل. ببساطة، يرفض الحقوقيون أن يُفهم هذا التثمين كـ'أجر' يدفع مباشرة من راتب الزوج، بل يجب أن يُنظر إليه كـ'استثمار اجتماعي' تساهم فيه الدولة، إدراكاً منها لدور الأسرة كمؤسسة أساسية في بناء المجتمع وتوليد الأجيال العاملة. فالخطر يكمن في أن يتحول الزوج إلى 'صاحب عمل' قسري، يخضع لاقتطاعات مفروضة، بينما تظل الدولة بعيدة عن تحمل حصتها من المسؤولية، خاصة في ظل ضعف القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين. هذا الرفض هو دعوة واضحة لاعتماد مقاربة تشاركية، تضمن أن تكون الحلول المالية مستدامة وعادلة لكلا الطرفين.

من وجهة نظري ككاتب متابع للشأن الاقتصادي والاجتماعي، فإن اعتماد نظام الاقتطاع المباشر هو حل سهل من الناحية الإدارية ولكنه معقد ومدمر من الناحية الاجتماعية. إنه يضع عبء التمويل على شريحة محددة (الرجال العاملون) دون الأخذ في الاعتبار طبيعة الأسر ذات الدخل المحدود أو تلك التي تعتمد على دخل غير منتظم. لتجاوز هذا المأزق، يجب على الحكومة أن تبتكر نماذج تمويلية أكثر شمولية وعدالة. أحد المقترحات الفعالة يتمثل في إنشاء «صندوق وطني للضمان الاجتماعي للعمل المنزلي غير المأجور»، يتم تمويله عبر مزيج من ثلاثة مصادر: أولاً، تخصيص نسبة من الميزانية العامة للدولة (على اعتبار أن العمل المنزلي يخدم الاقتصاد الوطني ككل)؛ ثانياً، مساهمة رمزية اختيارية أو محفزة من الأفراد؛ وثالثاً، ربط هذا التثمين بنظام نقاط الضمان الاجتماعي، حيث يتم احتساب سنوات العمل المنزلي كساعات عمل فعلية، تؤهل المستفيدة للحصول على معاش تقاعدي يمول جزئياً من الاشتراكات الاجتماعية العامة، وليس من جيب الزوج تحديداً. هذه المقاربة تضمن الاعتراف بالجهد، دون أن تُحدث ثقلاً مالياً جديداً على كاهل الأسر التي تعاني أصلاً من ضغوط التضخم.

إن المسألة لا تتوقف عند حدود دفع أو عدم دفع المال، بل تتعمق لتشمل إعادة تعريف مفهوم الشراكة الزوجية والمواطنة الاقتصادية. إذا كان الهدف هو تعزيز مكانة المرأة وتأمين مستقبلها، فيجب أن تكون الآليات المعتمدة معززة للعدالة الاجتماعية لا مهددة للسلام الأسري. الحديث عن تثمين العمل المنزلي يمثل فرصة ذهبية للدولة المغربية لتبني نموذج تنموي أكثر إنسانية واعترافاً بالجهود المبذولة خارج القطاعات الإنتاجية التقليدية. يتطلب ذلك حواراً وطنياً شاملاً، لا يقتصر على الحقوقيين والحكومة، بل يضم ممثلين عن الأزواج والزوجات والخبراء الاقتصاديين. يجب أن نضمن أن أي إجراء يُتخذ لن يؤدي إلى خلق طبقة جديدة من المكتتبين قسراً، أو إلى تفاقم مشكلة الدخل المحدود. تثمين العمل المنزلي يجب أن يكون إضافة نوعية للاقتصاد والأسرة، وليس مصدراً للشقاق المالي. إنها دعوة للبحث عن حلول إبداعية توازن بين مبدأ الحق في التقدير المادي ومبدأ الحفاظ على التوازن المالي للأسرة.

في الختام، تبقى فكرة تثمين العمل المنزلي خطوة عملاقة نحو الأمام في مسيرة الاعتراف بحقوق المرأة وإعادة تقييم المساهمة غير المرئية في بناء الوطن. ومع ذلك، فإن شيطان التفاصيل يكمن دائماً في كيفية التنفيذ والتمويل. يجب على الحكومة أن تستجيب لتحذيرات الهيئات الحقوقية وتتخلى عن فكرة تحميل طرف واحد كلفة هذه الخطوة، لتتجه نحو صيغ تمويل مستدامة تشرك المجتمع والدولة. الحل لا يكمن في 'الاقتطاع' من راتب الزوج، بل في 'الاستثمار' في الاستقرار الاجتماعي عبر آليات الضمان الشاملة، مما يضمن كرامة الزوجة وحقها في الأمان الاقتصادي، دون أن يهدد قدرة الزوج على تلبية باقي الاحتياجات الأسرية. عندها فقط، يمكننا القول إننا حققنا تثميناً حقيقياً ومتوازناً.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url