الممر الدبلوماسي: لماذا تضع القاهرة والدوحة ثقلهما خلف استئناف حوار واشنطن-طهران النووي؟TheDiplomaticCorridor-WhyCairoAndDohaAreThrowingTheirWeightBehindResumingWashingtonTehranNuclearTalks
في خضم مشهد إقليمي يتسم بالتعقيد والتحديات المتزايدة، تبرز تحركات دبلوماسية عربية تعكس وعياً عميقاً بضرورة احتواء التوترات وتوجيه بوصلة المنطقة نحو الاستقرار. هذا ما تجسد مؤخراً في اللقاء الذي جمع بين وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي ورئيس مجلس الوزراء وزير خارجية دولة قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني. لم يكن هذا الاجتماع مجرد لقاء بروتوكولي، بل حمل رسالة إقليمية واضحة وموحدة: ضرورة استئناف الحوار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي. إن هذه الدعوة ليست مجرد تمنيات، بل هي إدراك استراتيجي بأن المسار الدبلوماسي هو السبيل الوحيد لتجنب التصعيد المحتمل، وتهيئة الأجواء لتسوية شاملة تراعي مصالح جميع الأطراف المعنية، وتصون أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط التي لا تزال تعاني من تداعيات سنوات طويلة من عدم اليقين والتوتر.
إن الأهمية البالغة لهذه الدعوة تكمن في السياق الحالي الذي تمر به العلاقات بين واشنطن وطهران. فبعد سنوات من الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الأصلي (JCPOA) وتصاعد التوترات وفرض العقوبات، يبدو أن القنوات الدبلوماسية قد تآكلت بشكل كبير. وفي ظل تقدم البرنامج النووي الإيراني وتراكم المخزونات من اليورانيوم المخصب، تتزايد المخاوف الإقليمية والدولية بشأن احتمالية التصعيد أو حتى المواجهة. إن الفراغ الدبلوماسي هو أرض خصبة لسوء التفسير والتقدير الخاطئ، مما يزيد من مخاطر اندلاع صراعات غير محسوبة قد تكون لها عواقب وخيمة على المنطقة بأسرها. لهذا، فإن التركيز على «توفير الظروف الداعمة» لاستئناف الحوار ليس مجرد لغة دبلوماسية، بل هو دعوة لجهد بناء يتجاوز نقاط الخلاف الظاهرية ويسعى لإيجاد أرضية مشتركة يمكن البناء عليها، قبل أن تصل الأمور إلى نقطة اللاعودة.
تأتي هذه المبادرة المشتركة من القاهرة والدوحة لتسلط الضوء على دور محوري يتزايد لأطراف إقليمية في جهود الوساطة وإدارة الأزمات. فمصر، بوزنها التاريخي والاستراتيجي وتجربتها الطويلة في الدبلوماسية الإقليمية والدولية، لطالما كانت صوتاً للاعتدال والحكمة، وتسعى دائماً لتحقيق الاستقرار وتجنب الصراعات التي لا تخدم مصالح المنطقة. أما قطر، فقد برزت كلاعب دبلوماسي ديناميكي وفعال في السنوات الأخيرة، وتميزت بقدرتها على التواصل مع أطراف متعددة، بل ومتناقضة أحياناً، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة وحرصها على بناء الجسور. إن التنسيق بين هاتين الدولتين، اللتين قد تختلفان في بعض الملفات الأخرى، يؤكد على الأولوية القصوى التي يوليها كلتاهما لملف بهذا الحجم، ويعكس إجماعاً عربياً واسعاً على أن حل التحديات الإقليمية يمر حتماً عبر طاولة المفاوضات وليس عبر ساحات المواجهة العسكرية أو التصعيد الخطابي. هذا التعاون لا يمثل قوة دفع عربية فحسب، بل يضيف ثقلاً دبلوماسياً يمكن أن يحظى باهتمام الأطراف الدولية.
إن الحديث عن «تسوية شاملة تراعي مصالح مختلف الأطراف» يتطلب فهماً عميقاً للمواقف المتشابكة والمعقدة. بالنسبة للولايات المتحدة، يتعلق الأمر بمنع إيران من حيازة السلاح النووي، والحد من انتشار الأسلحة في المنطقة، والتصدي لأنشطة إيرانية تعتبرها مزعزعة للاستقرار. أما إيران، فتركز على حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، ورفع العقوبات التي تخنق اقتصادها، وضمان أمنها القومي في ظل ما تعتبره تهديدات خارجية. وبين هذه المواقف، تقع مصالح دول المنطقة، التي تتأثر بشكل مباشر بأي تصعيد أو تسوية. هذه المصالح تشمل ضمان أمن الممرات الملاحية، والحد من سباق التسلح، وتجنب التدخلات الخارجية التي قد تزيد من اضطراب الأوضاع. إن توفير الظروف للحوار يعني إيجاد مساحة للنقاش تتجاوز الخطوط الحمراء المعلنة وتستكشف حلولاً مبتكرة، ربما تبدأ بخطوات بناء الثقة الصغيرة، مثل التبادل في مجالات إنسانية أو فنية، لتمهيد الطريق لمفاوضات سياسية أوسع وأكثر تعقيداً.
في الختام، يمثل هذا الموقف المشترك من القاهرة والدوحة خطوة إيجابية ومسؤولة في توقيت حرج. إنه تذكير بأن الدبلوماسية ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة لا غنى عنها عندما تكون المخاطر مرتفعة إلى هذا الحد. إن استئناف الحوار بين واشنطن وطهران ليس مجرد قضية ثنائية، بل هو مفتاح رئيسي لتهدئة التوترات الإقليمية، وفتح آفاق جديدة للتعاون بدلاً من الصراع. إن الدور الذي تلعبه دول المنطقة في الضغط من أجل هذا الحوار، وفي تهيئة الظروف المناسبة له، هو دور لا يقدر بثمن. على الأطراف الرئيسية أن تستجيب لهذه الدعوات الحكيمة، وأن تنظر إلى المسار الدبلوماسي ليس كحل مؤقت، بل كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار والأمن الإقليمي والدولي. الطريق سيكون محفوفاً بالتحديات، لكن البديل – وهو طريق التصعيد وعدم اليقين – هو ما يجب أن تتجنبه المنطقة بكل ما أوتيت من قوة.