بين سندان التشريع ومطرقة الإضراب: أزمة العدول بالمغربMorocco's-Adoul-Crisis-Caught-Between-Legislation-and-Strikes
تتصاعد وتيرة التوتر في المشهد القانوني والاجتماعي بالمغرب، مع استمرار الهيئة الوطنية للعدول في ما أسمته بـ “توقيف الخدمات العدلية” على المستوى الوطني. هذا التصعيد الاحتجاجي، الذي يجد جذوره في مشروع القانون رقم 16.22 المنظم لمهنة العدول، يؤشر إلى مرحلة جديدة من الصدام بين إرادة الإصلاح التشريعي وطموحات الفاعلين المهنيين. إنها ليست مجرد مطالب فئوية عادية، بل هي انعكاس لمخاوف عميقة بشأن مستقبل مهنة حيوية تتقاطع مع تفاصيل حياة المواطنين اليومية، من عقود الزواج والطلاق إلى التوثيق العقاري والوصايا والإرث. في كل وثيقة يتوقف إنجازها، قصة إنسانية تتأخر، ومصلحة اقتصادية تتعطل، وثقة في النظام القانوني قد تتزعزع. يبدو المشهد وكأن العدالة نفسها، في جزء مهم منها، قد وضعت على المحك، منتظرةً حلاً يُرضي الأطراف ويُعيد عجلات الحياة القانونية إلى دورانها الطبيعي.
جوهر الخلاف يكمن في إصرار الهيئة الوطنية للعدول على عدم الأخذ بملاحظاتها ومطالبها التي قدمتها بخصوص مشروع القانون 16.22. هذا المشروع، الذي تراه الحكومة جزءًا من إصلاح شامل ومنظومة تحديث للقطاع العدلي، يعتبره العدول تدخلاً في استقلاليتهم، أو على الأقل، لا يلبي طموحاتهم المهنية ولا يحفظ مكانتهم التي اكتسبوها عبر سنين من الممارسة. يمكن للمطالب أن تتراوح بين توسيع صلاحياتهم، تحسين ظروف العمل، ضمانات الاستقلالية المهنية، أو حتى الجوانب المالية المتعلقة بالرسوم والأتعاب. من جانب آخر، قد ترى وزارة العدل أن مشروع القانون ضروري لتوحيد الممارسة، تحديث الأطر القانونية، وتعزيز الشفافية والنجاعة في تقديم الخدمات. هذا التضارب في الرؤى يضعنا أمام مفترق طرق: هل الإصلاح يجب أن يكون جذريًا ومفروضًا من أعلى، أم أنه يتطلب تدرجًا وتشاورًا عميقًا يضمن انخراط الفاعلين فيه؟ يبدو أن الجسر بين الرؤيتين لم يُبنَ بعد، مما يُبقي الأزمة مفتوحة على مصراعيها.
الآثار المترتبة على استمرار هذا التوقف الشامل عن تقديم الخدمات العدلية تتجاوز حدود الخلاف المهني لتلامس صميم الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين. فعلى الصعيد الاجتماعي، تتأخر معاملات الزواج والطلاق، تسجيل المواليد، وإنجاز عقود الإرث، مما يضع آلاف الأسر في وضعيات معقدة ومؤلمة. تخيل عرسًا مؤجلاً، أو قسمة تركة متعطلة، أو بيعًا لعقار لا يمكن إتمامه؛ كلها سيناريوهات يومية تعكس حجم الإرباك الذي يسببه هذا الاحتجاج. اقتصاديًا، يتوقف قطاع العقارات، تتجمد الاستثمارات، وتتعطل المعاملات التجارية التي تتطلب التوثيق العدلي، مما يؤدي إلى خسائر مادية مباشرة وغير مباشرة. هذا التوقف ليس مجرد إزعاج عابر، بل هو شلل جزئي يصيب شرايين حيوية في جسد الدولة والمجتمع. تحليل هذه التداعيات يدفعنا إلى التساؤل عن الثمن الحقيقي لمثل هذه الأزمات، ومن يتحمل العبء الأكبر منها في نهاية المطاف. إننا أمام وضع يستدعي حلاً عاجلاً يُراعي مصلحة المواطن قبل كل اعتبار.
إن ما يشهده المشهد العدلي اليوم ليس معزولاً عن سياقات أوسع تتعلق بالعلاقة بين الدولة والمهن الحرة. فلطالما كانت المهن المنظمة، كالعدول والمحامين والأطباء، تسعى للحفاظ على قدر من الاستقلالية المهنية في مواجهة أي تدخل تشريعي قد تراه مقيدًا أو مُهمِّشًا. هذا التوازن الدقيق بين ضرورة التنظيم الحكومي لضمان الصالح العام من جهة، والحفاظ على خصوصية وخبرة المهنيين من جهة أخرى، هو تحدٍّ عالمي. إن التحديث التشريعي لا يعني بالضرورة المساس بالأسس المتينة للمهنة، بل يجب أن يكون رافعة لتطويرها وتمكينها. هنا يبرز دور التشاور الحقيقي والفعال، الذي لا يقتصر على مجرد الاستماع، بل يمتد إلى الأخذ بجدية بالخبرات والمقترحات التي يقدمها أهل المهنة. تجاهل هذه الخبرات قد يؤدي إلى قوانين جيدة على الورق لكنها متعثرة في التطبيق، لأنها لم تحظَ بتبني من هم معنيون بتنزيلها على أرض الواقع. لذا، فإن هذه الأزمة تتجاوز مجرد بنود قانونية لتطرح سؤالاً أعمق حول طبيعة الحوار بين الدولة والمجتمع المدني المهني.
وللوصول إلى حل مستدام، لا بد من العودة إلى طاولة الحوار البناء، حوار يرتكز على الرغبة المشتركة في خدمة العدالة والمصلحة العامة. يجب على كل طرف أن يقدم تنازلات منطقية، فالحكومة مدعوة لإعادة النظر في النقاط الخلافية، وإبداء مرونة تجاه ملاحظات العدول، مع التأكيد على رؤيتها الإصلاحية. وعلى الهيئة الوطنية للعدول أن توازن بين الدفاع عن مصالحها المهنية وتقدير حجم التأثير السلبي لاستمرار التوقف على عموم المواطنين وسير العدالة. يمكن البحث عن حلول وسطية تضمن تحديث المهنة وتوسيع صلاحيات العدول وتطويرها، مع الحفاظ على استقلاليتهم وكرامتهم. فالهدف الأسمى لأي قانون هو تحقيق العدل وتسهيل حياة الناس، وليس خلق العراقيل. لذا، فإن المخرج من هذه الأزمة يكمن في إرادة سياسية حقيقية للحوار، وتفهم عميق لتحديات المهنة، وروح مسؤولية عالية من كلا الجانبين لطي هذه الصفحة وفتح آفاق جديدة لمهنة العدول، بما يخدم الوطن والمواطنين.