صرخة من الأطلسي: جزر الكناري تضع الذاكرة على المحك وتواجه إرث الإرهاب المرتبط بالبوليساريوAtlantic-Scream-Canary-Islands-Confronts-Polisario-Terrorism-Legacy-Memory-Test

Atlantic-Scream-Canary-Islands-Confronts-Polisario-Terrorism-Legacy-Memory-Test


في مشهد سياسي وإنساني مؤثر، أعادت جزر الكناري فتح ملف مؤلم، ملف لطالما حاول البعض طمسه تحت ركام السرديات الجيوسياسية المعقدة. لم يعد الأمر مجرد ذكرى عابرة؛ بل تحول إلى إعلان رسمي، مدوٍ، صدر من جمعية ضحايا الإرهاب أمام مرأى ومسمع السلطات الرسمية في الإقليم. القضية المحورية هي الاعتراف الصريح بأن جبهة البوليساريو، التي غالباً ما يتم تصويرها في بعض الأروقة كحركة تحرر وطني، كانت في سبعينيات القرن الماضي مسؤولة عن أفعال إرهابية استهدفت النسيج الاجتماعي للمجتمع الكناري. هذا التذكير، الذي تزامن مع إحياء اليوم الأوروبي لذكرى ضحايا الإرهاب في لاس بالماس، يمثل نقطة تحول مهمة؛ إنه انتزاع للرواية من أيدي المتلاعبين وتثبيتها في سجل الحقيقة التاريخية، خاصة وأن الحضور الرسمي والسياسي الرفيع يؤكد تبني هذا الموقف على مستوى الإدارة المحلية.

إن تحليل هذه الخطوة يتطلب منا الغوص في سياقها الزمني. سبعينيات القرن الماضي كانت فترة مضطربة دولياً، واتسمت بتصاعد التيارات الانفصالية والحركات المسلحة التي وجدت في العمليات العنيفة وسيلة للفت الأنظار. بالنسبة لجزر الكناري، التي هي جزء من إسبانيا، لم تكن الهجمات مجرد حوادث أمنية، بل كانت اعتداءات مباشرة على مدنيين كانوا يعيشون حياتهم اليومية. عندما تتحدث جمعية الضحايا عن 'جرائم إرهابية'، فهي تستخدم مصطلحاً يحمل ثقلاً قانونياً وأخلاقياً كبيراً، يميز بين النضال المسلح وأعمال العنف العشوائي أو الموجه ضد غير المقاتلين. هذا التمييز ضروري ليس فقط لإنصاف الضحايا، بل لتصنيف تاريخي دقيق لأفعال الجبهة، بعيداً عن أي تجميل سياسي قد يسعى لتبرير العنف الماضي بحجة المستقبل السياسي المتوخى.

وجهة نظري الخاصة تتركز هنا على أهمية استعادة الذاكرة الجماعية. غالباً ما تسقط ضحايا النزاعات الجيوسياسية طويلة الأمد ضحية النسيان أو التسييس. عندما تقرر منطقة مثل جزر الكناري، التي تتمتع بحكم ذاتي واسع، تخصيص مساحة رسمية لتخليد ذكرى من سقطوا جراء أعمال مرتبطة بجبهة تتصارع مع المغرب، فهذا يدل على وعي عميق بأن السياسة لا يمكن أن تمحو الألم الإنساني. إن إحياء هذا اليوم يؤكد مبدأ أساسياً: لا يمكن تحقيق سلام مستدام أو تسوية سياسية عادلة دون الاعتراف الصريح بالجراح المفتوحة والضحايا الذين تحملوا العبء الأكبر للصراعات. هذا الموقف ليس موجهاً ضد أي شعب، بل هو توجيه اتهام موثق ومؤطر قانونياً وإنسانياً تجاه أفعال محددة ارتكبت باسم قضية معينة.

الاستقبال الرسمي لهذه الشهادات، بحضور رئيس حكومة الكناري، يمثل رسالة قوية للمجتمع الدولي. إنه يضع ضحايا تلك الفترة في الواجهة، ويضغط من أجل إدراج هذه الأحداث ضمن السجلات الأوروبية المخصصة للإرهاب. هذا التحرك له تبعات عملية؛ فإدراج هذه الأعمال ضمن سجلات الإرهاب يخدم هدفين: أولاً، يوفر اعترافاً قانونياً وأخلاقياً أوسع للضحايا وعائلاتهم، ويضمن حصولهم على التعويضات والاعتراف الذي قد يكونوا حرموا منه طويلاً. ثانياً، يضع جبهة البوليساريو تحت مجهر التدقيق الدولي فيما يتعلق بأساليبها التاريخية، مما يزيد من صعوبة تبييض سجلها في المحافل الدولية التي تعتمد معايير صارمة لمكافحة الإرهاب.

في الختام، لا يمكن النظر إلى هذا الحدث في لاس بالماس إلا كـ'صفعة للنسيان' وتأكيد على أن جذور الصراع تمتد أعمق من الخلافات الحدودية الحالية. تخليد ذكرى ضحايا البوليساريو في الكناري ليس مجرد لفتة تاريخية؛ بل هو موقف سياسي له أبعاد معاصرة، يطالب بالمساءلة ويعزز مبدأ عدم إفلات مرتكبي العنف ضد المدنيين من العقاب، مهما كانت الغاية النبيلة التي يزعمون تحقيقها. صوت الضحايا، المرفوع عالياً في ساحة كونكورديا، يتردد اليوم كإنذار بأن الماضي الذي لم يُحاسب عليه بشكل صحيح يظل يلقي بظلاله الثقيلة على الحاضر والمستقبل.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url