إياد غالي: رأس الأفعى في الساحل والمطاردة التي تغير قواعد اللعبةMali-offers-3.5-million-for-information-on-Al-Qaeda-leader-in-the-Sahel

إياد غالي: رأس الأفعى في الساحل والمطاردة التي تغير قواعد اللعبة


تشهد منطقة الساحل الإفريقي تحولاً استراتيجياً لافتاً في التعاطي الأمني مع التنظيمات المتطرفة، حيث أعلنت السلطات المالية عن تخصيص مكافأة مالية ضخمة تصل إلى ثلاثة ملايين ونصف المليون دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى تحديد مكان إياد غالي، زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة. هذا القرار لا يعكس مجرد رغبة في تحييد شخصية قيادية فحسب، بل يمثل ذروة الضغط الذي تمارسه باماكو لاستعادة السيادة على أراضيها الشاسعة التي باتت ساحة للصراعات المفتوحة، خاصة وأن غالي ليس مجرد مقاتل عابر، بل هو داهية عسكرية وسياسية تدرك جيداً تضاريس الصحراء وخبايا القبائل المحلية، مما جعل القبض عليه أو تحييده هدفاً استراتيجياً يتجاوز البعد المحلي ليصل إلى صميم الأمن الإقليمي والدولي في منطقة تعاني من هشاشة أمنية مزمنة.

إن قصة إياد غالي تتجاوز كونه زعيماً مسلحاً؛ فهي سيرة ذاتية معقدة بدأت من العمل الدبلوماسي في القنصلية المالية بجدة، لتنتهي بقيادة أعتى التشكيلات الجهادية في إفريقيا. هذا التحول الصادم من العمل الرسمي إلى التمرد المسلح يمنحه ميزة "المتمرد العارف"، فهو يعرف كيفية التفكير كمسؤول وكيفية التحرك كمقاتل في آن واحد، وهو ما يفسر استعصاء ملاحقته لسنوات طويلة. إدراجه في قوائم العقوبات الأمريكية والدولية كان خطوة متوقعة، لكن المكافأة المالية الأخيرة تعكس يأساً أو ربما استراتيجية جديدة تراهن على اختراق الحاضنة الاجتماعية أو الدائرة الضيقة المحيطة به، في محاولة لخلخلة تماسك التنظيم من الداخل بدلاً من الاعتماد الكلي على العمليات العسكرية التي أثبتت التجربة أنها تواجه تحديات ميدانية كبيرة في بيئة جغرافية قاسية.

من وجهة نظري، تمثل هذه الخطوة المالية اعترافاً ضمنياً بأن المواجهة التقليدية مع القاعدة في الساحل قد بلغت طريقاً مسدوداً، وبات من الضروري اللجوء إلى استخبارات بشرية دقيقة. التاريخ يخبرنا أن التنظيمات التي تتخذ من الأيديولوجيا غطاءً لها تعتمد بشكل أساسي على الولاء الشخصي والترابط القبلي؛ لذا فإن تحويل رأس القيادة إلى "سلعة" هو محاولة لضرب ميثاق الثقة الذي يربط غالي بأتباعه. ومع ذلك، يجب أن نكون واقعيين؛ فالمكافأة المالية وحدها لن تنهي التمرد، خاصة في ظل وجود حاضنة اجتماعية قد لا ترى في تلك الأموال ما يغريها ببيع زعيم يعتبره البعض رمزاً لمقاومة التدخلات الأجنبية وتآكل السلطة المركزية، وهو ما يفرض على مالي أن تدمج هذا الإجراء الأمني مع حلول سياسية وتنموية جذرية.

أعتقد أن التحدي الأكبر الذي يواجه مالي ليس في تحديد مكان غالي، بل في ما سيحدث بعده. إن تصفية القيادات في الجماعات المتطرفة لا تؤدي دائماً إلى انهيارها، بل قد تفتح الباب لصراعات داخلية أو لظهور أجيال أكثر تطرفاً ودموية. إن الساحل بحاجة إلى رؤية استراتيجية تتجاوز المطاردة الفردية، لتشمل تأمين الحدود المشتركة مع الجيران، وتحقيق اختراق ثقافي ومجتمعي يقطع الطريق على تجنيد الشباب، فضلاً عن تعزيز قدرات الجيش المالي ليصبح قوة وطنية شاملة لا تعتمد على المساعدات الخارجية. إن إياد غالي هو نتاج تراكم عقود من الإهمال والتهميش؛ وبالتالي فإن معالجة الجذور لا تقل أهمية عن معالجة الأعراض التي يمثلها وجود شخص مثل غالي.

ختاماً، تبقى هذه الخطوة المالية مؤشراً قوياً على أن مالي قررت رفع وتيرة المواجهة إلى أقصى درجاتها، وأنها تسعى لإحداث هزة في بنية التنظيمات المسلحة. سواء نجحت هذه المكافأة في الإيقاع بغالي أم لا، فإن التاريخ سيذكر هذا الرجل كأحد أكثر الشخصيات تعقيداً في تاريخ منطقة الساحل الحديث، فهو الرجل الذي استطاع أن يطوع الدبلوماسية لصالح التمرد، ويحول الصحراء إلى حصنه المنيع. يبقى الأمل معلقاً على أن يكون هذا المسار هو بداية النهاية لحالة الانفلات الأمني التي أرهقت شعوب الساحل لسنوات، وأن تتبع هذه الخطوة استراتيجية متكاملة تعيد للدولة هيبتها وللمواطن المالي أمنه واستقراره بعيداً عن صراعات النفوذ التي لا تبقي ولا تذر.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url