خريف القطب الواحد: كيف يعيد ترامب صياغة فوضى القيادة العالمية؟trumps-america-and-the-changing-world-is-washington-still-holding-the-wheel
تبدو العودة المرتقبة لدونالد ترامب إلى سدة الحكم في واشنطن وكأنها هزة ارتدادية لزلزال جيوسياسي عميق بدأ يتشكل منذ سنوات، ملقيةً بظلال كثيفة من الشك والريبة حول هوية الطرف الذي يمسك بزمام المبادرة الدولية في عصرنا الراهن والمضطرب. لم يعد السؤال الكلاسيكي الملح حول "من يقود العالم؟" مجرد ترف فكري يتردد في أروقة مراكز الأبحاث والدراسات الإستراتيجية المغلقة، بل أضحى هاجساً حقيقياً يؤرق العواصم الكبرى والصغرى على حد سواء، في ظل تسارع وتيرة التحولات الإقليمية والدولية التي تخطت بمراحل قدرة المنظمات الأممية والمؤسسات الدولية التقليدية على الاحتواء والضبط والربط القانوني. وفي هذا المشهد الضبابي المتشابك، يتداخل الصعود الصيني الجارف تكنولوجياً واقتصادياً مع الطموحات الروسية المتجددة عسكرياً وجيوسياسياً، لتجد الولايات المتحدة نفسها في مواجهة معضلة بنيوية كبرى تمس صميم وجودها كقوة عظمى. فهل يمكن لقوتها العسكرية الهائلة واقتصادها الضخم الحفاظ على موقع الصدارة والتحكم في الدفة الدولية، أم أن "قطار العالم" قد غادر محطة القطبية الواحدة إلى غير رجعة، تاركاً واشنطن تبحث عن مقعد جديد يتناسب مع رغبة ساكن البيت الأبيض الجديد-القديم في الانكفاء الإستراتيجي والتركيز على الشأن الداخلي تحت شعاراته الشعبوية المعهودة؟
يتجلى جوهر الإستراتيجية الترامبية بوضوح شديد في عقيدة "أمريكا أولاً"، وهي العقيدة التي تعيد صياغة مفاهيم العلاقات الدولية من منظور تجاري نفعي بحت، مجرداً السياسة الخارجية من مساحيقها الأيديولوجية البراقة والالتزامات الأخلاقية التي دأبت الإدارات السابقة على التلويح بها. طوال العقود الطويلة التي تلت الحرب العالمية الثانية، استندت القيادة الأمريكية للعالم إلى شبكة بالغة التعقيد من التحالفات العسكرية المتينة والاتفاقيات الاقتصادية متعددة الأطراف، والتي كانت تعتبر واشنطن بموجبها بمثابة المظلة الحامية للنظام الليبرالي العالمي والضامن الأخير للأمن المشترك في أوروبا وشرق آسيا. ومع عودة ترامب المرتقبة، يتراجع هذا المفهوم المؤسساتي لصالح إبرام صفقات ثنائية مباشرة قائمة على حسابات الربح والخسارة الفورية والابتزاز المالي المغلف بوعود الحماية، مما يدفع الحلفاء التقليديين في بريكسل وطوكيو وسيول إلى مراجعة إستراتيجياتهم والبحث الجاد عن استقلال أمني واقتصادي أوسع. إن هذا التراجع الطوعي عن لعب دور "الشرطي العالمي" لا يترجم بالضرورة ضعفاً في القدرة الذاتية الكامنة للولايات المتحدة، بل يعكس تحولاً ذهنياً عميقاً في رغبة النخبة السياسية الأمريكية في تحمل كلفة الهيمنة، مما يمهد الطريق لملء هذا الفراغ الإستراتيجي من قبل قوى دولية متحفزة لا تتردد في قضم مناطق النفوذ التقليدية.
في المقابل، لا يمكن تفكيك شفرة المشهد الدولي الراهن دون رصد الصعود المتنامي لظاهرة التعددية القطبية الواقعية على أرض الواقع، حيث لم تعد القوى الصاعدة والإقليمية تقنع بمقاعد المتفرجين أو مجرد تنفيذ السياسات التي تملى عليها من وراء البحار. فالصين لا تكتفي بمنافسة واشنطن اقتصادياً، بل تبني بنشاط متسارع نظاماً موازياً يعتمد على إمساكها بسلاسل التوريد الحيوية ونسج دبلوماسية اقتصادية هادئة وطويلة الأمد من خلال مشاريع البنية التحتية الضخمة، بينما تسعى تكتلات مثل مجموعة "بريكس" إلى صياغة بدائل للنظام المالي العالمي لتقليص سطوة الدولار الأمريكي كأداة للضغط والعقوبات. يضاف إلى ذلك صعود جيل جديد من القوى الإقليمية المتوسطة في الشرق الأوسط وآسيا وأمريكا اللاتينية، والتي باتت تمتلك هامش مناورة غير مسبوق، رافضة الانحياز الأعمى لأي من القطبين الكبيرين، ومفضلة انتهاج سياسة براغماتية مرنة تحقق مصالحها الوطنية أولاً. هذا التشتت الكبير في مراكز القوى وصناعة القرار الدولي يعني أن المقود العالمي لم يعد يمثله مقعد واحد يجلس عليه رئيس الولايات المتحدة يوجه به مسارات الأمم، بل تحول المشهد إلى ساحة تنافسية مفتوحة تتعدد فيها الرؤى والمصالح المتعارضة.
من وجهة نظري التحليلية العميقة، فإن واشنطن لم تفقد بالكامل قدرتها على الإمساك بـ "المقود"، لكن طبيعة القيادة والمقود نفسه قد تعرضا لتبدل جذري وجوهري؛ فالقوة الصلبة المتمثلة في الدولار الأمريكي والآلة العسكرية العابرة للقارات والابتكار التكنولوجي ما زالت تشكل الركيزة الأساسية التي لا يمكن تجاوزها في إدارة الاستقرار الدولي، إلا أن القدرة الأمريكية على فرض الأجندات وبناء الإجماع الأخلاقي والسياسي قد تآكلت بشكل لا يمكن إنكاره. إن المعضلة الحقيقية التي تواجهها الدبلوماسية الأمريكية لا تكمن في قلة الإمكانيات المادية، بل في "أزمة الثقة" الناجمة عن الاستقطاب السياسي الداخلي الحاد في بنية المجتمع والمؤسسات الأمريكية، والذي يجعل السياسة الخارجية متقلبة وغير قابلة للتنبؤ بها مع كل دورة انتخابية رئاسية. عندما يرى العالم أن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي توقعها واشنطن يمكن نقضها بجرة قلم من رئيس قادم، فإن الدول والحلفاء يتجهون تلقائياً إلى تبني إستراتيجيات تحوط لحماية أنفسهم، مما يقلل من الفعالية الجماعية للقيادة الأمريكية ويزيد من وتيرة التشرذم الدولي العام.
تأسيساً على ما تقدم، يمكننا أن نخلص بثقة إلى أن "أمريكا ترامب" تدشن مرحلة تاريخية انتقالية تتسم بالواقعية الفجة والباردة، حيث يتراجع بريق الشعارات الإنسانية والوعود بالدفاع عن الديمقراطية لصالح حسابات القوة والمصلحة الضيقة. إن المقود العالمي في اللحظة الراهنة لم يعد حكراً على أحد، والحديث عن ولادة نظام دولي جديد مستقر وشامل ما زال سابقاً لأوانه، بل نحن بصدد مرحلة رمادية من الفوضى المنظمة التي تفتقر إلى مرجعية موحدة لإدارة النزاعات الكبرى ومنع الانفجارات الإقليمية. وفي ظل هذه الفوضى، ستظل الولايات المتحدة القوة الأكثر نفوذاً وضخامة على الساحة الدولية لفترة ليست بالقصيرة، لكنها ستكون مجرد لاعب قوي ضمن رقعة شطرنج متعددة اللاعبين والأبعاد، حيث لم يعد النجاح حليفاً لمن يملك أكبر ترسانة عسكرية فقط، بل لمن يمتلك المرونة الدبلوماسية والقدرة العالية على التكيف مع التغيرات السريعة، وصياغة تحالفات مرنة ومؤقتة تخدم مصالحه في عالم لم يعد يعترف بالقادة الدائمين.