شعلة العريضة ورياح البيروقراطية: معركة تسقيف المحروقات بين وعي الشارع وإكراهات الإجراءات
في خضم تصاعد الحديث عن الأعباء المعيشية وتأثير تقلبات الأسواق العالمية على القدرة الشرائية للمواطن المغربي، برزت مبادرة مدنية قوية تستهدف الضغط باتجاه تثبيت سقف لأسعار الوقود وفرض آلية ضريبية متغيرة عليها. هذه العريضة الوطنية، التي تمثل نبض الشارع وهمومه، سعت إلى تجسيد صوت الجماهير المتضررة من الارتفاعات المتتالية في أسعار المحروقات، التي تداعياتها تتجاوز محطات الوقود لتطال كل مفاصل الاقتصاد الوطني بدءاً بالنقل مروراً بالمنتجات الأساسية وانتهاءً بالمساهمة في تآكل الأجور. غير أن هذه المسيرة الشعبية، الهادفة إلى تحقيق مطلب حيوي، لم تخلُ من عقبات. ففي الآونة الأخيرة، طفت على السطح شكاوى من إكراهات واضحة تعترض سبيل جمع التوقيعات اللازمة لدفع هذه العريضة قدماً، لتلقي بظلال من التحدي على مدى فعالية الأدوات الديمقراطية المباشرة في تحقيق التغيير المنشود.
تكمن جذور هذه الإكراهات، بحسب ما أشارت إليه التطورات الأخيرة، في تزامن عملية جمع التوقيعات مع فترة حساسة تتعلق بمراجعة اللوائح الانتخابية العامة، وهي فترة امتدت من الثالث عشر من ماي الماضي وحتى العاشر من يوليوز الجاري. إن الارتباط الوثيق بين صحة التوقيعات المستهدفة للعريضة وضرورة التحقق من هوية الموقعين كمسجلين في اللوائح الانتخابية، وضع منسقي المبادرة أمام تحديات إجرائية ولوجستية غير متوقعة. فخلال هذه المدة، يصبح الوصول إلى قوائم انتخابية حديثة وموثوقة أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، مما يعيق بشكل مباشر وتيرة العمل الميداني للمشرفين على العريضة. هذا التعقيد الإداري يخلق حاجزاً بين حماس المواطنين للمشاركة وبين القدرة الفعلية على توثيق هذه المشاركة بشكل يتوافق مع الشروط القانونية، ليبرز مشكلاً جوهرياً في كيفية تكييف الأطر القانونية والإدارية لدعم المبادرات المدنية بدلاً من عرقلتها.
لا شك أن أسعار المحروقات تشكل عصب الحياة اليومية والاقتصادية لكل فرد ومؤسسة في المغرب. إن أي ارتفاع فيها يترجم فوراً إلى موجة غلاء تطال سلة المستهلك بأكملها، وتثقل كاهل الأسر والشركات على حد سواء، مما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية وتفاقم الأوضاع الاجتماعية. لذا، فإن الدعوة إلى تسقيف هذه الأسعار وفرض ضريبة متحركة عليها ليست مجرد مطلب اقتصادي فحسب، بل هي صرخة اجتماعية تعكس الحاجة الملحة إلى حماية المواطن من تقلبات سوق لا يملك عليها سيطرة. عندما تواجه مبادرة وطنية بهذه الأهمية عقبات إجرائية، فإن ذلك لا يثير التساؤلات حول فعالية العمل المدني وقدرته على التأثير فحسب، بل يضع أيضاً السلطات المعنية أمام مسؤولية توفير بيئة حاضنة لمثل هذه المبادرات التي تعكس نبض الشارع ومطالبه المشروعة، والتفكير في آليات لتجاوز مثل هذه المعيقات التي قد تثبط من عزيمة المواطنين على المشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
من وجهة نظري، فإن تزامن إجراءات مراجعة اللوائح الانتخابية مع حملة جمع توقيعات عريضة وطنية بهذا الحجم، يطرح تساؤلات جدية حول مدى التنسيق بين الأجهزة الإدارية والمجتمع المدني، أو بالأحرى، حول مدى إدراك الأول لأهمية الثاني. قد لا تكون هذه الإكراهات مقصودة بالضرورة، لكن تأثيرها على المبادرات الشعبية حقيقي وملموس. يجب أن يكون هناك وعي أكبر داخل الإدارة العامة بأن العمليات الإجرائية، حتى وإن كانت ذات طابع روتيني أو دوري، يمكن أن يكون لها تداعيات كبيرة على حركية المجتمع المدني وقدرته على التعبير عن نفسه. ففي غياب آليات تواصل وتنسيق فعالة، يمكن أن تتحول الإجراءات البيروقراطية إلى حواجز غير مرئية تعيق مسار الديمقراطية التشاركية. إنه يدعو إلى ضرورة مراجعة كيفية تصميم هذه الإجراءات لضمان عدم تحولها إلى سيف مسلط على رقاب المبادرات المدنية، بل لتكون رافداً يدعمها وييسر لها سبل تحقيق أهدافها في إطار الشفافية والمسؤولية.
في الختام، تبقى عريضة تسقيف أسعار المحروقات أكثر من مجرد ورقة لجمع التوقيعات؛ إنها رمز لإرادة شعبية تسعى إلى التخفيف من أعباء الحياة وتأكيد حقها في المشاركة في صياغة السياسات التي تمس صميم وجودها. إن التحديات التي تواجهها هذه العريضة في جمع التوقيعات، بسبب إكراهات إجرائية، تسلط الضوء على ضرورة إيجاد توازن دقيق بين حفظ النظام الإداري وتمكين الديمقراطية المباشرة. فالمستقبل الحقيقي لأي مجتمع يكمن في قدرته على الاستماع إلى نبض شعبه، وتذليل العقبات أمام مشاركته الفاعلة، والحرص على أن تكون الإجراءات داعمة لمثل هذه المبادرات، لا عائقاً أمامها. إنها دعوة للتفكير في كيفية بناء جسور من الثقة والتيسير بين الدولة ومواطنيها، لضمان أن تظل شعلة المبادرات المدنية متقدة، قادرة على إضاءة طريق التغيير والإصلاح.