تصفية قائد حماس: هل هي ضربة استراتيجية أم حلقة في صراع لا يتوقف؟

Israel-kills-Hamas-leader
تصفية قائد حماس: هل هي ضربة استراتيجية أم حلقة في صراع لا يتوقف؟


في قلب الصراع الدائر والمشهد الملتهب لقطاع غزة، تبرز بين الفينة والأخرى أنباء عن عمليات نوعية تلقي بظلالها على مسار الأحداث المتسارعة. جاء الإعلان الأخير، الذي تناقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية، وتحديداً صحيفة “يديعوت أحرونوت” عبر موقعها “واي نت”، ليؤكد تصفية شخصية بارزة في صفوف حركة المقاومة الإسلامية (حماس). فالحديث هنا عن وائل موسى خالد اللداوي، الذي شغل منصب قائد الأمن الداخلي للحركة في المخيمات المركزية بمنطقة دير البلح الحساسة في القطاع. هذه العملية، التي يُزعم أنها نتاج تنسيق بين الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك)، ليست مجرد خبر عابر، بل هي نقطة تحول قد تحمل في طياتها دلالات عميقة وتساؤلات جوهرية حول طبيعة الصراع وفعالية الاستراتيجيات المتبعة من الطرفين. إن استهداف قائد بهذا المستوى من الحساسية، يُعنى بتأمين الجبهة الداخلية للحركة وجمع المعلومات الاستخباراتية ومكافحة التجسس، يشير إلى أن إسرائيل تسعى ليس فقط لإحداث خسائر بشرية، بل لتعطيل المفاصل الحيوية التي تضمن تماسك وفاعلية التنظيم في بيئة شديدة التعقيد والعداء. هذا الإعلان يضع الحدث في سياقه الأوسع، حيث كل خطوة عسكرية تحمل أبعاداً سياسية ومعنوية تتجاوز نطاق العملية المباشرة، وتلامس جوهر الصراع على الأرض وفي الوعي العام، لتُشكل جزءًا من لعبة عض الأصابع المستمرة.

إن استهداف شخصية مثل اللداوي، قائد الأمن الداخلي، يكشف عن جزء حيوي من الاستراتيجية الإسرائيلية في قطاع غزة. فالأمن الداخلي في أي تنظيم مقاوم ليس مجرد جهاز شرطة؛ بل هو بمثابة العصب المركزي الذي يضمن تدفق المعلومات، ويحمي الأسرار العملياتية، ويكافح الاختراق والتجسس، ويُحافظ على الانضباط والولاء داخل الصفوف. من هذا المنطلق، فإن تصفية اللداوي تعني محاولة إسرائيلية لضرب قلب منظومة جمع المعلومات وتحليلها داخل حماس، وتعطيل قدرتها على حماية شبكاتها وأنفاقها ومخازن أسلحتها، وأيضًا الكشف عن أي محاولات للاختراق. الأهداف هنا تتجاوز التصفية الجسدية؛ إنها ترمي إلى إحداث حالة من الفوضى والارتباك في صفوف قيادة حماس، وزعزعة الثقة الداخلية بين الأفراد، وتعريض خطوط الاتصال للخطر، مما قد يؤدي إلى تعطيل العمليات الجارية والمستقبلية. كما أن تصفية قادة الصفوف الوسطى والعليا تخدم هدفاً معنوياً يتمثل في إضعاف الروح المعنوية للمقاتلين وإرسال رسالة مفادها أن لا مكان آمناً لأي مسؤول في الحركة، مهما كان دوره، ومهما كانت دقة إجراءاته الأمنية. من الناحية التكتيكية، قد يؤدي هذا إلى الكشف عن ثغرات في الهيكل الأمني لحماس، مما يمنح القوات الإسرائيلية فرصاً جديدة للوصول إلى أهداف أخرى أو لجمع المزيد من المعلومات الاستخباراتية الحيوية. إنها خطوة محسوبة تسعى لتحويل الضغط العسكري الخارجي إلى ضغط داخلي يفكك التنظيم من الداخل، ويجبره على إعادة تقييم إجراءاته الأمنية وتغيير أساليب عمله، مما يستهلك جزءاً كبيراً من طاقاته وموارده في سبيل إعادة بناء ما تهدم، وتقوية حواجزه الأمنية الداخلية. هذه العمليات تعكس أيضاً الاعتماد الإسرائيلي الكبير على الاستخبارات الدقيقة والقدرات التكنولوجية المتطورة لتحديد وتعقب الأهداف ذات الأهمية القصوى، في مسعى دائم لشل قدرة حماس على الصمود والمناورة في بيئة العمليات المعقدة والمليئة بالتحديات.

لكن التاريخ أثبت أن تنظيمات مثل حماس تتمتع بقدرة ملحوظة على الصمود وإعادة البناء بعد الضربات الموجعة. فليست هذه المرة الأولى التي تفقد فيها الحركة قادة بارزين، ومع ذلك، فقد أظهرت دائماً مرونة لافتة في تعويض الفراغ القيادي بسرعة وكفاءة. تعتمد حماس، شأنها شأن العديد من حركات المقاومة التي نشأت وتطورت في بيئات النزاع، على هيكل تنظيمي لا مركزي إلى حد ما، مع وجود صف ثانٍ وثالث من القادة المؤهلين لتولي المسؤولية فوراً عند الحاجة. هذا الهيكل الهرمي المرن يقلل من تأثير تصفية الأفراد، حيث يكون هناك عادةً خطة للخلافة جاهزة أو على الأقل القدرة على تكييف الأدوار والمهام بسرعة فائقة لضمان استمرارية العمليات. فمنظومة “الأمن الداخلي” نفسها، التي يمثلها اللداوي، ليست حصراً على فرد واحد؛ بل هي شبكة معقدة من الأفراد والوحدات التي تعمل ضمن إطار محدد ومنهجية واضحة. ولعل الأثر الأكبر لمثل هذه التصفية ليس في شل التنظيم ككل بشكل دائم، بل في تكبيده جهداً ووقتًا وموارد هائلة لإعادة ترتيب أوراقه، وتغيير إجراءاته الأمنية المعمول بها، وربما مراجعة سياساته الأمنية الداخلية بشكل كامل لضمان عدم تكرار مثل هذه الاختراقات. علاوة على ذلك، غالباً ما تتحول شخصيات مثل اللداوي، بعد تصفيتهم، إلى رموز “للشهادة” والتضحية داخل الخطاب الداخلي للحركة ولدى مؤيديها في الداخل والخارج، مما قد يعزز من الروح المعنوية ويشحذ العزيمة للانتقام أو لمواصلة القتال بشراسة أكبر. هذه الديناميكية تخلق دورة لا نهائية من العنف، حيث يؤدي كل استهداف إلى رد فعل، وتستمر العجلة في الدوران بلا توقف. إن استبدال القادة ليس بالضرورة يعني استبدال الفكر أو العقيدة التي يقوم عليها التنظيم، وغالباً ما يأتي القادة الجدد حاملين الروح ذاتها، وربما بطرق أكثر جرأة أو تشدداً، في محاولة لإثبات الذات وإعادة تأكيد قوة التنظيم ووجوده على الساحة، مما يزيد من تعقيد المشهد.

تتجاوز تصفية قائد مثل وائل اللداوي كونها مجرد عملية عسكرية منفصلة، لتتوضع ضمن سياق أوسع يؤثر على ديناميكيات الصراع في غزة والمنطقة ككل. ففي خضم المفاوضات المتعثرة لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، قد تفسر إسرائيل هذه العملية كإشارة واضحة إلى استمرار ضغطها العسكري الحاسم، وربما محاولة لتعزيز موقفها التفاوضي عبر إظهار قدرتها على الوصول إلى أهداف حساسة، مما يضعف موقف حماس على طاولة المفاوضات. من جهة أخرى، قد ترى حماس في هذا الاستهداف تصعيداً خطيراً يتطلب رداً مناسباً، مما يعرقل أي جهود للتهدئة أو وقف الأعمال العدائية، ويدفع بالصراع باتجاه مزيد من التصعيد غير المحسوب، وتصعيد حدة المواجهة. على الصعيد الإقليمي والدولي، تثير مثل هذه العمليات أسئلة جدية حول مدى الامتثال للقوانين الدولية المنظمة للنزاعات المسلحة، خاصة عندما تحدث في مناطق مدنية مكتظة بالسكان، وما يترتب على ذلك من تداعيات إنسانية خطيرة تؤثر على المدنيين الأبرياء. كما أنها تساهم في تغذية السرديات المتناقضة: فبينما تقدم إسرائيل الحدث كنجاح استخباراتي وعملياتي كبير يهدف إلى تفكيك قدرات حماس وتأمين حدودها، قد تصفها فصائل المقاومة ومؤيدوها كجريمة حرب واغتيال خارج نطاق القانون، مما يزيد من الاستقطاب ويصعب مهمة أي وساطة دولية تسعى للتهدئة. إن تأثير هذه العمليات لا يقتصر على المفاعيل العسكرية المباشرة، بل يمتد ليشمل الرأي العام العالمي، وتصورات الحكومات الأجنبية، ومدى استعدادها للضغط على أحد الطرفين أو كليهما للتوصل إلى حل سلمي مستدام. كل عملية اغتيال أو تصفية لقائد في هذا الصراع المتجذر تزيد من التعقيد، وتطيل أمد المعاناة الإنسانية، وتزرع بذور المزيد من الكراهية والانتقام في منطقة لا تكاد تفيق من جرح حتى تُفجع بآخر، مما يجعل آفاق السلام أكثر ضبابية وتحديًا.

من وجهة نظري، وبالنظر إلى تاريخ الصراعات المماثلة حول العالم، فإن تصفية قائد بحجم وائل اللداوي، وإن كانت تمثل نجاحًا تكتيكيًا لإسرائيل في لحظة معينة وتُظهر قدراتها الاستخباراتية والعسكرية، إلا أنها نادراً ما تحقق “نصرًا استراتيجيًا” بالمعنى الشامل الذي ينهي الصراع أو يغير مساره جوهريًا. إن هذه العمليات، على أهميتها في إحداث ارتباك مؤقت وشل جزئي للقدرات العملياتية، لا تعالج الأسباب الجذرية العميقة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فالحركات المقاومة، خاصة تلك التي تستمد شرعيتها من قضية وطنية أو دينية عادلة، لديها مخزون بشري وفكري يمكنها من تجديد صفوفها بسرعة وفعالية، وتعبئة أجيال جديدة من المقاتلين. إن استبدال شخص بفرد آخر قد يغير من الأساليب التكتيكية أو يطيل أمد الحرب، لكنه نادراً ما يغير من الأهداف الأساسية أو العقيدة الراسخة أو العزيمة القوية لهذه الحركات. التحدي الحقيقي الذي يواجه إسرائيل ليس في تصفية الأفراد فحسب، بل في تفكيك البنية التحتية الفكرية والعقائدية والاجتماعية التي تغذي المقاومة وتدعمها، وهو ما لا يمكن تحقيقه بالقوة العسكرية وحدها، مهما كانت متطورة وفعالة. بل قد تؤدي مثل هذه العمليات إلى تأجيج مشاعر الانتقام وتوحيد الصفوف خلف القيادة الجديدة، أحيانًا بشكل أكثر صلابة وتشدداً، في مواجهة ما يُنظر إليه كعدوان متواصل. لذا، فإننا أمام مشهد يتكرر بشكل مأساوي: إسرائيل تحقق أهدافًا عملياتية قصيرة المدى، وحماس تتكيف وتستمر في وجودها، بينما يدفع السكان المدنيون في غزة الثمن الأكبر من أرواحهم ومنازلهم ومستقبلهم. المستقبل القريب يشير إلى استمرار هذه الديناميكية الحزينة، حيث ستواصل إسرائيل عملياتها النوعية في محاولة لتفكيك ما تبقى من قدرات حماس، بينما ستحاول الحركة إظهار قدرتها على البقاء والصمود والاستمرارية، وربما الرد بطرق غير متوقعة لإثبات وجودها. إن الحل الدائم لن يأتِ عبر هذا النوع من العمليات العسكرية التي تستنزف الجميع، بل يتطلب مساراً سياسياً حقيقياً ينهي الاحتلال، ويضمن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، ويُقيم دولة فلسطينية مستقلة، وهو المسار الذي يبدو بعيد المنال في ظل الظروف الراهنة التي تتسم بتصاعد العنف. إنها دائرة مفرغة من العنف، تتجدد مع كل قطرة دم تسفك، وكل إعلان عن تصفية قائد، وكل تصعيد ميداني، تاركةً خلفها دماراً وخسائر بشرية فادحة، وسلامًا يتلاشى أفقًا بعد أفق.

المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url