أرسين فينغر: صوت الحكمة من قلب الفيفا يعرّي مشاريع إنفانتينو التجارية
في تحول لافت يعكس ديناميكيات القوى والتوجهات الاستراتيجية داخل أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، أدلى أرسين فينغر، العقل المدبر والمدرب الأسطوري السابق لنادي أرسنال، بتصريحات مدوية ألقت بظلالها على رئاسة جياني إنفانتينو. ففينغر، الذي يشغل حالياً منصب مدير تطوير كرة القدم العالمية في الفيفا، لم يتردد في وصف قرار التخلي عن مشروع إنفانتينو الطموح والمثير للجدل، والذي كان يقضي ببيع حصص في مسابقات كبرى مثل كأس العالم، بأنه كان 'ضرورياً للغاية ولا جدال فيه'. هذه الكلمات، الصادرة من شخصية مرموقة تحتل موقعاً حساساً داخل الهيكل التنظيمي للفيفا، لا تمثل مجرد وجهة نظر عابرة، بل هي مؤشر قوي على تصدع محتمل في الإجماع الداخلي حول الرؤى الاقتصادية والتجارية للاتحاد. إنها إضافة نوعية إلى قائمة المتشككين والمنتقدين لمساعي إنفانتينو الرامية إلى ضخ استثمارات ضخمة عبر شراكات تجارية قد تغير وجه اللعبة إلى الأبد، وتضع ثقلاً جديداً على كاهل قيادة الفيفا ورئيسها.
لم يكن مشروع بيع حصص كأس العالم مجرد فكرة عابرة، بل كان يمثل جزءاً محورياً من استراتيجية إنفانتينو لجلب أموال جديدة إلى خزائن الفيفا، بحجة تطوير اللعبة عالمياً وزيادة إيرادات الاتحادات الأعضاء. تضمنت الخطة مقترحات لإنشاء كيان تجاري مستقل للإشراف على البطولات الكبرى، مع بيع جزء من أسهمه لمستثمرين خارجيين، وهو ما كان سيجلب مليارات الدولارات. ورغم الأهداف المعلنة، واجه المشروع عاصفة من الاعتراضات والتحفظات من مختلف الأطراف المعنية بكرة القدم. فقد أثارت هذه الخطوة مخاوف عميقة بشأن تسليع اللعبة والتهديد المحتمل بفقدان السيطرة على جوهرها الثقافي والرياضي لصالح المصالح التجارية البحتة. الأندية الكبرى، الاتحادات الوطنية، وحتى اللاعبون وجمهور كرة القدم، رأوا في هذه المبادرة محاولة لرهن مستقبل أهم مسابقة كروية في العالم لجهات خاصة، مما قد يؤثر على استقلال الفيفا وقدرتها على اتخاذ قرارات تخدم مصلحة اللعبة ككل، بدلاً من خدمة أهداف الربح المادي الضيق. كان النقاش محتدماً حول مدى جواز تحويل الإرث الكروي العالمي إلى أداة استثمارية، وهو ما جعل التخلي عن المشروع قراراً حتمياً في نظر العديد من المراقبين.
تصريحات أرسين فينغر تأتي بوزن كبير جداً، ليس فقط بسبب مكانته كأحد أبرز العقول الكروية في العصر الحديث، بل لأنه يتحدث من داخل قلعة الفيفا نفسها. فينغر، المعروف بفلسفته الكروية التي تركز على الجودة، النزاهة، والتطوير طويل الأمد، كان دائماً مدافعاً عن القيم الأساسية للرياضة. إن وصفه قرار إلغاء المشروع بأنه 'ضروري ولا جدال فيه' يعكس قناعته الراسخة بأن المسار التجاري الذي كان إنفانتينو يسعى إليه كان سيقوض جوهر كرة القدم. هل يمثل هذا انتقاداً مباشراً لسياسات إنفانتينو المالية أم أنه محاولة لإعادة توجيه دفة الفيفا نحو مسار أكثر استدامة وتوافقاً مع المبادئ الرياضية؟ من المحتمل أن يكون لكلا الأمرين نصيب من الصحة. ففينغر، بصفته مديراً لتطوير كرة القدم العالمية، يقع على عاتقه مسؤولية حماية اللعبة وتنميتها في جميع أنحاء العالم، وهو ما قد يتعارض مع بيع أصولها الأساسية. هذا الموقف القوي من داخل الفيفا يشير إلى وجود انقسام عميق، وربما صراع على النفوذ، داخل أعلى سلطة كروية في العالم، مما يضع قيادة إنفانتينو تحت مجهر أكثر دقة ويفرض عليه إعادة تقييم استراتيجيته المستقبلية.
تداعيات إلغاء مشروع بيع حصص كأس العالم، وبالأخص مع تضافر الأصوات المنتقدة مثل صوت فينغر، تتجاوز مجرد قرار إداري. إنها تمثل ضربة قوية لمصداقية جياني إنفانتينو وقدرته على تمرير رؤاه الكبيرة داخل الفيفا. فالفشل في تحقيق مثل هذا المشروع المركزي قد يضعف موقفه أمام الاتحادات الأعضاء والمستثمرين، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول فعالية قيادته واستشارته لأصحاب المصلحة. هل ستدفع هذه الانتكاسة الفيفا نحو تبني سياسات أكثر حذراً وتوازناً بين التطلعات التجارية والحفاظ على القيم الرياضية؟ من المرجح أن يؤدي هذا الحدث إلى إعادة تقييم شامل لكيفية إدارة الفيفا لمواردها وكيفية اتخاذها للقرارات الكبرى. إن التراجع عن هذا المشروع يمكن أن يفسر على أنه انتصار للتيار الذي يفضل الحفاظ على استقلالية كرة القدم وخصوصيتها، بعيداً عن السيطرة الكاملة لرأس المال الخاص. وهذا بدوره قد يعيد تشكيل أولويات الفيفا، مركزاً بشكل أكبر على تطوير اللعبة في القواعد، دعم الاتحادات الأقل حظاً، وتعزيز النزاهة والشفافية، بدلاً من السعي وراء الثروات الهائلة عبر صفقات قد تكون مشوبة بالجدل.
في الختام، يمثل انضمام أرسين فينغر إلى قائمة منتقدي مشروع إنفانتينو لبيع حصص كأس العالم لحظة فارقة في تاريخ الفيفا الحديث. إنها شهادة حية على أن القيم الرياضية والاستدامة على المدى الطويل لا تزال تحتل مكانة جوهرية لدى شخصيات مؤثرة داخل اللعبة، حتى وإن كانوا يعملون ضمن مؤسسات ذات توجهات تجارية متزايدة. وجهة نظري الشخصية ترى أن هذا التراجع، مدعوماً بموقف فينغر الصريح، هو خطوة إيجابية نحو حماية جوهر كرة القدم. إنها تذكير بأن أعظم أصول اللعبة ليست فقط الإيرادات التي يمكن أن تجنيها، بل هي الشغف، الإرث، والاتصال العالمي الذي تخلقه. يجب على الفيفا أن توازن بحذر بين ضرورة التجديد المالي ومتطلبات الحفاظ على هوية اللعبة. فبينما تسعى المؤسسة جاهدة لضمان مستقبل مالي مستقر، عليها ألا تغفل أبداً أن كرة القدم ليست مجرد سلعة، بل هي ظاهرة ثقافية واجتماعية عالمية تتطلب إدارة مسؤولة وشفافة تخدم جميع أطرافها، من اللاعبين إلى المشجعين، وتضمن أن تبقى هذه الرياضة ملكاً للجميع، لا حكراً على حفنة من المستثمرين.