مصر والصومال: تجديد العهد لاستقرار إقليمي وسلام مستدام
لطالما كانت الصومال، لؤلؤة القرن الإفريقي، نقطة محورية على الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وتتأثر أوضاعها الأمنية والسياسية بمدى الاستقرار الإقليمي والعالمي. وفي إطار سعيها الدؤوب لتعزيز السلم والأمن في محيطها القاري، جددت مصر، ممثلة في وزير خارجيتها د. بدر عبد العاطي، التزامها الراسخ بدعم أمن واستقرار الصومال. جاء ذلك خلال لقاء هام عقده الوزير المصري مع السيدة قرة العين صادزاي، القائم بأعمال الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ورئيس مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS). هذا اللقاء، الذي عُقد على هامش القمة الاستثنائية الثانية للدول المساهمة بقوات في بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل تأكيدًا على عمق العلاقة الاستراتيجية والتاريخية التي تربط القاهرة بمقديشو، ورؤية مصرية شاملة تسعى لدعم الصومال في مسيرتها نحو التعافي والبناء. إن الرسالة المصرية واضحة: استقرار الصومال هو ركيزة أساسية لأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي برمته، ولا يمكن تحقيق التنمية المستدامة في هذه المنطقة الحيوية دون معالجة جذور عدم الاستقرار في الدول المجاورة.
تنبثق الرؤية المصرية لدعم الصومال من فهم عميق للتاريخ المشترك والمصالح الاستراتيجية المتقاطعة. فمصر، باعتبارها قوة إقليمية ذات ثقل تاريخي وجغرافي، تدرك أن استقرار الصومال ليس مجرد مسألة إنسانية أو أخلاقية، بل هو جزء لا يتجزأ من أمنها القومي وأمن المنطقة. فالقرن الإفريقي، بموقعه الفريد على ممر التجارة العالمي في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، يمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيه ينعكس سلبًا على حركة الملاحة والتجارة، فضلًا عن كونه بيئة خصبة لانتشار الجماعات المتطرفة والجريمة المنظمة. ومن هذا المنطلق، فإن دعم مصر للصومال يتجاوز المساعدات العادية ليشمل جهودًا دبلوماسية مكثفة، ومساعي لتعزيز القدرات الأمنية والمؤسسية للدولة الصومالية، بالإضافة إلى تقديم الدعم الفني والتدريب في مجالات متعددة. العلاقات بين الشعبين المصري والصومالي تمتد لقرون، حيث كانت مصر دائمًا ملاذًا للطلاب الصوماليين، ومركزًا للإشعاع الديني والثقافي عبر الأزهر الشريف، مما يعزز من شرعية وأهمية هذا الدعم الذي لا ينبع من مصالح آنية فحسب، بل من إرث حضاري مشترك.
إن التحديات التي تواجه الصومال متعددة الأوجه ومعقدة للغاية، وتشمل مكافحة الإرهاب المتمثل في حركة الشباب، وتوطيد مؤسسات الدولة، ومعالجة الأزمات الإنسانية المتكررة، وبناء التوافق الوطني بين مختلف الأطراف. وفي ظل هذه التعقيدات، يبرز الدور الحيوي للمنتمع الدولي والمنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، ممثلة في مكتب الدعم UNSOS. لكن هذا الجهد الدولي يحتاج إلى تكاتف وتنسيق فعال، وهنا يأتي دور مصر التكميلي والمحوري. فمصر، من خلال خبرتها الطويلة في مكافحة الإرهاب وتجربتها في بناء الدولة، يمكنها تقديم إسهامات قيمة في مجالات حيوية مثل بناء القدرات الأمنية، وتأهيل القوات المسلحة والشرطة الصومالية، وتقديم المشورة في مجال العدالة وسيادة القانون. كما أن الخبرة المصرية في التنمية المستدامة والزراعة والبنية التحتية يمكن أن تسهم بشكل كبير في إعادة إعمار الصومال وتمكين شعبه من تحقيق الاكتفاء الذاتي والتغلب على التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تمثل بيئة خصبة لنمو التطرف والعنف. لا يقتصر الدعم المصري على الجانب الأمني فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز الحوكمة الرشيدة والمصالحة الوطنية، وهي ركائز أساسية لتحقيق سلام دائم ومستقر.
تتجسد آليات الدعم المصري للصومال في أشكال متعددة، تبدأ بالمسار الدبلوماسي النشط الذي يضمن وجود القضية الصومالية على أجندة المحافل الدولية والإقليمية، مرورًا بتقديم المساعدات الفنية والتدريبية. لقد استضافت المؤسسات المصرية، ولا تزال، آلاف الكوادر الصومالية للتدريب في مجالات مختلفة كالطب والهندسة والزراعة، بالإضافة إلى برامج تدريب متخصصة لأفراد القوات المسلحة والشرطة والقضاء. ولا يمكن إغفال الدور الرائد للأزهر الشريف، الذي يستمر في استقبال الطلاب الصوماليين وتقديم المنح الدراسية لهم، ونشر تعاليم الإسلام السمحة ومكافحة الفكر المتطرف، وهو ما يمثل دعامة أساسية لبناء مجتمع صومالي معتدل ومتسامح. إن هذه الجهود لا تستهدف فقط معالجة الأزمات الراهنة، بل تهدف إلى بناء قدرات ذاتية مستدامة للصومال، تمكنه من الاعتماد على نفسه في إدارة شؤونه الأمنية والتنموية. إن مصر تؤمن بأن الحلول المستدامة تنبع من الداخل، ودورها هو تمكين الصوماليين من قيادة مسيرة التعافي والبناء بأنفسهم، مع توفير الدعم اللازم متى وحيثما دعت الحاجة. هذه الشراكة الاستراتيجية تهدف إلى تحقيق تحول نوعي في الصومال، من دولة تعاني من الصراعات إلى دولة مزدهرة وآمنة.
في الختام، يمثل تأكيد وزير الخارجية المصري على دعم بلاده لأمن واستقرار الصومال نقطة مضيئة في مسار العلاقات الثنائية، وتعبيرًا صادقًا عن التزام مصر بمسؤولياتها الإقليمية والدولية. إن استقرار الصومال ليس مجرد أمن لدولة واحدة، بل هو صمام أمان للمنطقة بأسرها، ويسهم بشكل مباشر في تعزيز الأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، وتحقيق التنمية المستدامة في القرن الإفريقي. وتؤكد الرؤية المصرية على أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مقاربة شاملة تجمع بين الجهد الأمني، والدعم التنموي، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، والمصالحة الوطنية. إن ما قامت به مصر، وما ستواصل تقديمه، يرسخ نموذجًا للتعاون الإفريقي-الإفريقي القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والحرص على مستقبل مشرق للقارة. ومع استمرار الجهود المشتركة، دبلوماسيًا وأمنيًا وتنمويًا، يمكن للصومال أن يتطلع إلى مستقبل يرتفع فيه صرح الدولة، ويسود فيه الأمن والازدهار، وتستعيد فيه مكانتها كعنصر فاعل وإيجابي في المنظومة الإقليمية والدولية، بدعم أخوي لا يتزعزع من جمهورية مصر العربية.