لهيب الشمال يشتعل: تجدد المعارك في إثيوبيا ومستقبل السلام الهش
شمال إثيوبيا، تلك المنطقة الغنية بتاريخها وموقعها الاستراتيجي، تعود لتتصدر عناوين الأخبار اليوم مع تجدد الاشتباكات المسلحة بين القوات الاتحادية الإثيوبية ومسلحي جبهة تحرير شعب تيغراي. هذا التطور المقلق، الذي يبعث على القلق العميق في نفوس كل من يتابع الشأن الإثيوبي والقاري، يمثل انتكاسة خطيرة لجهود السلام الهشة التي سعت لتطويق الصراع الذي اندلع قبل سنوات. إن سماع دوي المعارك مجدداً ليس مجرد خبر عابر، بل هو إشارة واضحة إلى أن جذور الأزمة لم تُعالج بشكل جذري، وأن التوترات الكامنة كانت تنتظر الشرارة المناسبة لتندلع من جديد. هذا التصعيد يعيد إلى الواجهة سيناريوهات العنف والمعاناة الإنسانية التي شهدتها المنطقة سابقًا، ويثير تساؤلات ملحة حول مستقبل الاستقرار في هذا الجزء الحيوي من القارة الأفريقية. إن تداعيات هذا التجدد لا تقتصر على خسائر الأرواح والدمار المادي فحسب، بل تمتد لتطال الآمال المعلقة على عملية بناء دولة إثيوبية موحدة ومستقرة، وتلقي بظلالها على جهود التنمية والسلام في منطقة القرن الأفريقي بأسرها.
لفهم أبعاد هذا التجدد في الصراع، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية والسياسية المعقدة التي تشكل النسيج الإثيوبي. كانت جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) قوة مهيمنة في المشهد السياسي الإثيوبي لعقود، محكومة بنظام فدرالي عرقي منح الأقاليم درجة كبيرة من الحكم الذاتي. لكن صعود رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة في عام 2018 أحدث تحولًا جذريًا، حيث سعى إلى تعزيز السلطة المركزية، وهو ما اصطدم مع طموحات الجبهة ورؤيتها للحكم. بلغ هذا التوتر ذروته في نوفمبر 2020، باندلاع حرب شاملة أودت بحياة عشرات الآلاف وشردت الملايين، قبل أن تُبرم اتفاقية بريتوريا للسلام في نوفمبر 2022. هذه الاتفاقية، التي وُصفت بأنها خطوة تاريخية نحو السلام، كان ينظر إليها بكثير من الحذر، حيث ظلت العديد من القضايا الجوهرية دون حلول دائمة، مثل نزع سلاح الجبهة بالكامل، ومصير الأراضي المتنازع عليها، وعودة السلطة الفيدرالية الكاملة إلى تيغراي، وإعادة الإعمار. كانت هذه العوامل مجتمعة بمثابة فتيل قابل للاشتعال، يهدد بإعادة إشعال الصراع في أي لحظة تزداد فيها حدة التوتر السياسي أو العسكري بين الطرفين.
إن تجدد الأعمال العدائية اليوم يثير تساؤلات حاسمة حول الأسباب المباشرة الكامنة وراء هذا التصعيد. هل هو نتيجة لفشل مفاوضات كانت تجري خلف الكواليس؟ هل هو رد فعل على استفزازات محددة من أي من الجانبين؟ أم أنه نابع من ضغوط داخلية متزايدة على كل طرف، تدفعه نحو استعراض القوة وإعادة التموضع؟ بغض النظر عن الشرارة المباشرة، فإن التأثيرات الفورية لهذه المعارك كارثية حتمًا. فالمناطق المتأثرة تعاني بالفعل من أزمة إنسانية عميقة، حيث يعتمد ملايين الأشخاص على المساعدات الطارئة، وسيعمل تجدد القتال على تفاقم النزوح الداخلي، وعرقلة وصول المساعدات، وزيادة معاناة السكان المدنيين الذين هم دائمًا الضحايا الأوائل لمثل هذه الصراعات. على الصعيد السياسي، فإن تجدد القتال يقضي على ما تبقى من الثقة بين أديس أبابا وميكلي (عاصمة تيغراي)، ويجعل مسار السلام أكثر وعورة وتعقيدًا، ويزيد من الانقسام داخل المجتمع الإثيوبي، مهددًا بتقويض أي محاولة لبناء جسور التفاهم والتعاون في المستقبل القريب.
أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن هذا الصراع له تداعيات واسعة النطاق لا يمكن تجاهلها. فمنطقة القرن الأفريقي هي بطبيعتها منطقة مضطربة، تشهد صراعات في السودان والصومال، وتوترات حدودية مع إريتريا. إن أي زعزعة للاستقرار في إثيوبيا، وهي ثاني أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان وعضو محوري في الاتحاد الأفريقي، ستتردد أصداؤها عبر المنطقة بأكملها، وقد تؤدي إلى تدفقات جديدة للاجئين وزيادة في التوتر الإقليمي. من وجهة نظري، هذا النزاع هو مأساة حقيقية تُبرز فشل القيادات في إعلاء صوت الحكمة على صوت القوة. إن دور المجتمع الدولي، وخاصة الاتحاد الأفريقي، يصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى للضغط على الطرفين من أجل ضبط النفس والعودة إلى طاولة المفاوضات. يجب أن يكون هناك فهم عميق بأن الحلول العسكرية لا تجلب سوى الدمار والخسائر، وأن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال حوار سياسي شامل وصادق يعالج المظالم الجذرية ويسعى إلى إقامة نظام سياسي يحترم التنوع ويضمن حقوق جميع المكونات. إن استمرار هذا النمط من العنف يعني ببساطة أننا لم نتعلم من دروس الماضي الأليم، وأن فاتورة الخلافات السياسية يدفعها الأبرياء من المدنيين.
في ظل هذه التطورات المقلقة، يصبح التساؤل عن المسار المستقبلي أكثر إلحاحًا. هل ستندفع الأطراف نحو حرب شاملة جديدة، أم أن هناك فرصة للتدخل السريع والفعال لوقف التصعيد؟ التحدي الأكبر يكمن في إعادة بناء الثقة، وهو أمر بالغ الصعوبة بعد تجدد الأعمال العدائية. تتطلب المرحلة القادمة جهودًا مكثفة من الوساطة، ربما بقيادة الاتحاد الأفريقي وبدعم دولي قوي، لفرض وقف لإطلاق النار وإعادة الطرفين إلى مسار الحوار. يجب أن يتركز أي حوار مستقبلي ليس فقط على الجوانب الأمنية، بل أيضًا على معالجة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تغذي الصراع، وضمان مشاركة شاملة لجميع الأطراف. إن مستقبل إثيوبيا، بل ومستقبل استقرار القرن الأفريقي، يتوقف على قدرة الأطراف المعنية على تجاوز دائرة العنف والبحث عن حلول سياسية دائمة. إن الأمل يكمن في أن تتعلم القيادات من أخطاء الماضي وتدرك أن السلام الحقيقي هو الاستثمار الوحيد الذي يضمن الازدهار والكرامة لشعوبهم، وأن تستثمر في بناء جسور التفاهم بدلاً من حفر خنادق العداوة، فلهيب الشمال الذي اشتعل مجدداً لا يهدد تيغراي وحدها، بل يهدد النسيج الوطني الإثيوبي بأكمله.