خطر في العلب: كيف أحبطت يقظة الدرك محاولة إغراق الأسواق بمنتجات مجهولة؟
شهدت مدينة فاس مؤخراً واقعة تقشعر لها الأبدان، حيث كشفت تدخلات ميدانية نوعية قامت بها مصالح الدرك الملكي التابعة لسرية إفران، عن شبكة معقدة من التخزين غير القانوني لمواد غذائية تفتقر لأدنى معايير السلامة الصحية. لقد بدأت الخيوط الأولى لهذه القضية بمراقبة روتينية اعتيادية على الطريق، حيث أدى الاشتباه في شاحنة لنقل البضائع إلى كشف مخبأ سري لمواد استهلاكية لا تحمل أية بيانات تعريفية أو تراخيص توثق مصدرها. هذا التدخل لم يكن مجرد عملية حجز عابرة، بل كان ضربة استباقية أنقذت، على الأرجح، مئات المواطنين من مخاطر التسمم الغذائي أو الأمراض المزمنة الناتجة عن تناول سلع لا تخضع لأي رقابة مخبرية أو قانونية، مما يعيد إلى الواجهة نقاش الأمن الغذائي في الأسواق المحلية.
إن ما يثير القلق في هذه القضية ليس فقط حجم الكميات المحجوزة في المخازن الثلاثة التي تم دهمها، بل المنهجية التي يعتمدها هؤلاء المهربون والمتاجرون بصحة الناس، حيث يتم استغلال المستودعات السرية بعيداً عن أعين الرقابة والتفتيش. هؤلاء الأشخاص يعتمدون على سلاسل توريد موازية لا تعترف بمعايير التخزين أو تاريخ الصلاحية، مما يجعل من المائدة المغربية ساحة خصبة للمخاطر الصحية. إن وجود مواد غذائية مجهولة المصدر يعني غياب التتبع (Traceability)، وهو المبدأ الأساسي الذي يضمن للمستهلك حقه في معرفة من أين جاءت لقمته، وكيف تم تصنيعها وتخزينها، لاسيما في ظل تزايد الطلب على المنتجات الرخيصة التي تجذب الطبقات الهشة.
من وجهة نظري ككاتب متابع للشأن العام، أرى أن هذه العملية تضعنا أمام ضرورة مراجعة أدوات الرقابة الغذائية في بلادنا، فالاعتماد على الصدفة أو المراقبة الروتينية ليس كافياً في ظل تطور أساليب التحايل. إن المسؤولية لا تقع فقط على عاتق الأجهزة الأمنية والدرك الملكي الذين قاموا بعمل جبار، بل تمتد لتشمل مكاتب السلامة الصحية التي يجب أن تكثف من دورياتها داخل الأحياء الصناعية والمخازن التابعة للمستودعات الكبرى. إن التحدي يكمن في تحويل هذه الرقابة من «فعل رد فعلي» بعد وقوع الكارثة، إلى «استراتيجية وقائية» تعتمد على الرقمنة والتحقق المستمر من مسارات البضائع منذ لحظة دخولها إلى التراب الوطني وحتى وصولها إلى نقط البيع بالتجزئة.
أعتقد أن التوعية المجتمعية هي الحصن الأول للمواطن، فالمستهلك اليوم مطالب بأن يكون شريكاً في الرقابة، عبر تفحص التغليف والبحث عن العلامات التجارية الموثوقة والابتعاد عن العروض المغرية لمنتجات لا تحمل هوية واضحة. إن شراء سلعة مجهولة المصدر قد يبدو توفيراً بسيطاً في الميزانية، لكنه في الحقيقة مقامرة مكلفة بصحة العائلة. من الضروري أيضاً تفعيل أقصى العقوبات القانونية ضد كل من تسول له نفسه العبث بالأمن الغذائي، حيث يجب ألا تقتصر العقوبة على مصادرة السلع فقط، بل يجب أن تشمل إغلاق المنشآت المخالفة نهائياً وتغريم أصحابها غرامات باهظة تكون رادعة لكل من يفكر في تحويل الغذاء إلى وسيلة للربح الحرام.
ختاماً، تبقى يقظة الدرك الملكي في إفران وباقي التشكيلات الأمنية مفخرة تستوجب التنويه، فهي تمثل صمام الأمان الذي يحمي المجتمع من الانزلاقات الخطيرة. إن الأمن الغذائي ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار الوطني، ولا يمكن التهاون مع أي جهة تتلاعب به تحت ذريعة التجارة الحرة. نأمل أن تكون هذه الحادثة درساً للمتلاعبين، ودافعاً للمواطنين ليكونوا أكثر حذراً، وسبباً في تشديد السياسات الرقابية لضمان أن كل ما يصل إلى مائدة المواطن المغربي خضع للفحص والتدقيق اللازمين. إن حماية صحة المواطن أمانة، والعمل على تأمينها هو التزام أخلاقي وقانوني لا يقل أهمية عن تأمين الحدود، فالمعركة ضد الغذاء الفاسد هي معركة يومية من أجل جيل سليم وقوي.