نداء استغاثة من رحم المعاناة: مسلسل الاختطافات الدامية يضرب مساجد نيجيريا
شهدت ولاية النيجر في شمال وسط نيجيريا فصلاً جديداً من فصول المأساة الإنسانية التي باتت تؤرق مضاجع المدنيين العزل، حيث أقدمت مجموعات مسلحة مجهولة على اقتحام أحد بيوت الله أثناء تأدية صلاة الجمعة، في مشهد يعكس تدهوراً حاداً في المنظومة الأمنية بالمنطقة. هذا الهجوم، الذي لم يكتفِ بروعته داخل حرم المسجد، بل جاء تتويجاً لسلسلة من الاعتداءات الوحشية التي استهدفت قرى مجاورة، يضعنا أمام تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولة على حماية مواطنيها في دور عبادتهم، وحول التحول النوعي في استراتيجيات الجماعات الإجرامية التي أصبحت تستبيح الأماكن المقدسة لفرض نفوذها أو لتحقيق مكاسب مالية عبر ابتزاز ذوي المخطوفين. إن توقيت الهجوم الذي اختير بدقة في ذروة تجمع المصلين يعكس رغبة المهاجمين في إحداث صدمة مجتمعية وترويع السكان المحليين، مما يحول الشعور بالأمان الروحي في المسجد إلى كابوس أمني يعيشه المواطنون يومياً.
من وجهة نظري كتحليل لهذه الواقعة الأليمة، يمثل هذا الهجوم مؤشراً خطيراً على فشل المقاربات الأمنية التقليدية في التعامل مع الفوضى المتصاعدة في شمال نيجيريا. إن تحول المساجد إلى أهداف عسكرية أو أمنية هو دلالة واضحة على تآكل هيبة القانون في المناطق الريفية النائية، حيث تفرض الميليشيات المسلحة قوانينها الخاصة بعيداً عن أعين الرقابة المركزية. لا يقتصر الأمر على الاختطاف بحد ذاته، بل يمتد ليشمل تهجير السكان وتدمير النسيج الاجتماعي الذي يربط بين القرى المتجاورة. إن المهاجمين لا يبحثون عن صراع عقائدي بقدر ما يستغلون الفراغ الأمني الذي تتركه الحكومة، مستخدمين تكتيكات الترويع كأداة ضغط سياسي واجتماعي، وهو ما يتطلب استراتيجية شاملة لا تكتفي برد الفعل العسكري، بل تمتد لتشمل تنمية المناطق المهمشة ومعالجة جذور الفقر والجهل التي تغذي هذه النزاعات.
إن حالة عدم الاستقرار التي تعيشها ولاية النيجر والمناطق المحيطة بها ليست سوى نتاج لتراكمات سنوات من إهمال التنمية البشرية وتصاعد التوترات العرقية والقبلية التي تتغذى عليها الجماعات المسلحة. إن اختطاف المصلين في "ديكارا" ليس حادثاً منعزلاً، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من الهجمات التي تستهدف إضعاف الروابط المجتمعية وزعزعة الاستقرار الأمني في عموم البلاد. يجب أن تتحرك السلطات النيجيرية بجدية أكبر نحو تعزيز التواجد الأمني في القرى، ليس فقط عبر القوة الغاشمة، بل من خلال التعاون مع القيادات المجتمعية والدينية لتشكيل درع حماية محلية تستطيع الصمود أمام التوغلات المسلحة، فالمسجد في هذه المناطق يمثل الركن الأساسي للتعايش السلمي، واستهدافه يعني استهداف جوهر الاستقرار الاجتماعي في المجتمع النيجيري.
في المقابل، يثير هذا التطور غضباً شعبياً عارماً ومطالبات ملحة بضرورة محاسبة المقصرين من المسؤولين الأمنيين، خاصة وأن هذه الهجمات تسبقها دائماً إشارات وتحركات للمسلحين يتم تجاهلها في كثير من الأحيان. إن غياب التنسيق الاستخباراتي الفعال بين المناطق المختلفة يمنح المسلحين فرصة الحركة بحرية وتوسيع رقعة عملياتهم. من الضروري أن تدرك الحكومة أن الأمن القومي لا يتحقق إلا بتوفير الحماية لكل شبر من الأراضي، وبأن أي تهاون في حماية دور العبادة سيؤدي إلى فقدان الثقة التام بين المواطن والمؤسسات الرسمية، وهو ما يفتح الباب أمام السيناريوهات الأسوأ، بما في ذلك تسليح الأهالي لأنفسهم للدفاع عن أعراضهم وأموالهم، وهو مسار محفوف بالمخاطر قد يحول النزاع المحدود إلى حرب أهلية شاملة يصعب السيطرة عليها.
ختاماً، إن ملف الأمن في نيجيريا بات يتطلب حلولاً غير تقليدية وتدخلات دولية وإقليمية جادة لإنقاذ أرواح الأبرياء الذين يجدون أنفسهم ضحايا لحروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. إن اختطاف مصلين عزل من داخل بيت من بيوت الله يمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان والقيم الدينية والإنسانية المشتركة. نحن اليوم أمام اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فرض سيادة القانون واستعادة كرامة مواطنيها. نتطلع إلى أن تكون هذه الحادثة صرخة تنبيه لصناع القرار في أبوجا، لكي يعيدوا النظر في أولوياتهم الأمنية ويضعوا حداً لهذا العبث الإجرامي الذي يستهدف أقدس ما يملكه النيجيريون؛ أمنهم وحقهم في ممارسة طقوسهم الدينية بأمان وسلام بعيداً عن أيدي المتربصين والغادرين.