لبؤات الأطلس الصغيرات: درس كروي مغربي في قلب إيطاليا
سجلت ناشئات المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم بداية نارية ومبهرة في منافسات الدورة العشرين لألعاب البحر الأبيض المتوسط المقامة في إيطاليا، حيث تمكنت "لبؤات الأطلس" من فرض كلمتهن بقوة أمام المنتخب السلوفيني. هذا الانتصار الذي انتهى بأربعة أهداف بيضاء لم يكن مجرد نتيجة رقمية عابرة في سجل المنافسة، بل كان رسالة واضحة لكل المتابعين بأن الاستثمار الرياضي في القاعدة النسوية بالمملكة قد بدأ بالفعل في جني ثماره. لقد أظهرت اللاعبات شخصية قوية وتناغماً تكتيكياً لافتاً على أرضية ملعب فرانكو فازي، مما يؤكد أن العمل القاعدي الذي تشرف عليه الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم يسير في الطريق الصحيح نحو بناء جيل قادر على المنافسة في المحافل القارية والدولية، معتمدين على مزيج من الموهبة الخام والانضباط التكتيكي العالي الذي أربك حسابات الخصم السلوفيني منذ الدقائق الأولى.
في قراءتي التحليلية لمجريات هذه المواجهة، أعتقد أن النقطة الفارقة كانت في التحول الجذري بين الشوطين؛ حيث دخلت العناصر الوطنية الشوط الأول بأسلوب حذر يعتمد على جس نبض الخصم، وهو ما جعل المباراة تتسم بالندقية والحياد التهديفي. لكن التغييرات والتعليمات الفنية بين الشوطين قلبت الطاولة تماماً، حيث تحررت اللاعبات من قيود الترقب وبدأن في شن هجمات منظمة اتسمت بالسرعة والنجاعة الهجومية. إن القدرة على فرض السيطرة الكاملة في الشوط الثاني تعكس لياقة بدنية ممتازة وقدرة ذهنية على تحمل ضغط المباريات الافتتاحية، وهي صفات غالباً ما تفتقدها الفئات السنية الصغيرة، لكن فتياتنا أثبتن نضجاً كروياً يفوق أعمارهن، مما يجعلهن مشروع بطلات حقيقيات في قادم المواعيد.
إن هذا الانتصار العريض يحمل في طياته دلالات أعمق بكثير من مجرد نقاط ثلاث، فهو يكرس الهوية الكروية الجديدة التي ترسمها الكرة المغربية في السنوات الأخيرة، والتي تعتمد على المهارة الفردية المقرونة بالتنظيم الجماعي. لا شك أن مواجهة منتخب أوروبي مثل سلوفينيا يمنح اللاعبات الشابات احتكاكاً دولياً ضرورياً يساعدهن على كسر حاجز الرهبة أمام المدارس الكروية المختلفة. ومن وجهة نظري الخاصة، تكمن أهمية هذا الجيل في أنه يتنفس ثقافة الفوز التي زرعتها المنتخبات الكبرى في المغرب، فلم نعد نلعب فقط من أجل المشاركة، بل باتت العقلية الاحترافية حاضرة في ذهن كل لاعبة داخل أرضية الميدان، وهو ما لمسناه في الإصرار على مضاعفة الغلة التهديفية رغم التقدم في النتيجة.
وبالنظر إلى التصنيفات والمستويات في كرة القدم النسوية، نجد أن التطور المغربي بات ملفتاً للانتباه ليس فقط على المستوى العربي أو الأفريقي، بل بدأ يتجاوز الحدود نحو العالمية. إن تألق فتيات أقل من 17 سنة يمنحنا نظرة متفائلة حول مستقبل الكرة النسوية في المغرب، حيث يمثل هذا الجيل الرافد الحقيقي للمنتخب الأول مستقبلاً. إن الدعم المتواصل وتوفير أكاديميات تدريبية متطورة وفّر بيئة خصبة لظهور هذه المواهب، وما رأيناه في مدينة برينديزي الإيطالية هو ثمرة لمشروع وطني شامل يضع المرأة المغربية في صلب اهتماماته الرياضية، مما يعزز من مكانة الرياضة الوطنية كقوة ناعمة مغربية تتحدث لغة النجاح في مختلف الميادين العالمية.
ختاماً، يمكننا القول إن فوز منتخبنا للفتيات برباعية نظيفة على سلوفينيا هو مجرد فصل أول في قصة طموح تبدأ ملامحها في التشكل. إن هذا الإنجاز يضع على عاتق هذه الشابات مسؤولية الحفاظ على هذا التوهج في المباريات القادمة، خاصة وأن المنافسات المتوسطية تشهد حضوراً قوياً لمنتخبات ذات باع طويل. ومع ذلك، وبناءً على ما شاهدناه من تماسك دفاعي وفعالية هجومية، يبدو أن المنتخب المغربي يمتلك كل المقومات للمضي قدماً في هذه البطولة والوصول إلى أدوار متقدمة جداً. نتمنى كل التوفيق للبؤاتنا في القادم من الاستحقاقات، وأن تظل هذه المباراة مرجعاً لهن في كيفية التعامل مع الخصوم والتحلي بالثقة حتى صافرة النهاية، فالمستقبل ينبئ بالكثير من الأفراح الكروية القادمة من أقدام هؤلاء النجمات الواعدات.