خلف أسوار المشاجرات العائلية: كيف تحول الميراث إلى فتيل للنزاع في البحيرة؟
شهدت منصات التواصل الاجتماعي مؤخرًا تداولًا واسعًا لمقطع فيديو يوثق مشادة عنيفة ومشاجرة بالعصي في إحدى قرى مركز إدكو بمحافظة البحيرة، وهو المشهد الذي أثار حالة من الجدل والقلق بين المتابعين. لم تكن هذه الحادثة مجرد عراك عابر في الشارع، بل كانت انعكاسًا لمشكلة أعمق وأكثر تعقيدًا في نسيجنا الاجتماعي، حيث كشفت التحريات الأمنية الدقيقة التي أجرتها وزارة الداخلية أن جذور هذه الواقعة لا تتعلق بصدفة أو خلاف عارض، بل تعود إلى نزاعات مريرة حول الميراث. إن تحول العلاقات الأسرية من المودة والترابط إلى الصدام المادي يعكس خللًا في القيم التي كانت يومًا ما الحصن المنيع للعائلة المصرية، ويضعنا أمام تساؤل مشروع حول كيفية حماية الروابط القربى من سطوة الطمع التي قد تقود الأطراف إلى ارتكاب أفعال يعاقب عليها القانون.
من وجهة نظري الشخصية، أرى أن ظاهرة النزاعات العائلية التي تتطور إلى عنف بدني هي مؤشر خطير يتطلب تدخلًا ليس فقط من الأجهزة الأمنية التي تقوم بدورها في ضبط القانون، بل من المؤسسات التربوية والدينية والاجتماعية. إن التعامل الأمني مع هذه الوقائع، كما حدث في سرعة استجابة وزارة الداخلية في محافظة البحيرة، يمثل جزءًا من الحل، إلا أن الوقاية تظل خيرًا من العلاج. فعندما نرى أشخاصًا يستخدمون العنف في وضح النهار، فإننا نرى انهيارًا في لغة الحوار وتغليبًا لمنطق الغاب على منطق القانون والشرع. إن تفكيك هذه الأزمات يبدأ من خلال نشر الوعي القانوني بخصوص تقسيم الميراث بشكل عادل، وتفعيل دور المجالس العرفية الحكيمة التي يمكنها احتواء هذه الخلافات قبل أن تتحول إلى ساحات معارك تهدد أمن المجتمع واستقراره.
لقد أثبتت التحقيقات أن الحادثة وقعت في أواخر شهر يوليو الماضي، وهو ما يوضح أن هناك فارقًا زمنيًا بين حدوث الواقعة وتداول الفيديو، وهو سلوك متكرر عبر السوشيال ميديا حيث يتم نشر الفيديوهات لإثارة الرأي العام دون مراعاة لتفاصيل قد تكون حُسمت بالفعل من قبل السلطات المختصة. يجب على المستخدمين أن يدركوا خطورة تداول مثل هذه الفيديوهات دون سياق، فالمسؤولية الاجتماعية تقتضي التريث قبل الحكم، والاعتراف بأن الجهات الأمنية في مصر تتابع بدقة كل ما يُنشر وتعمل على كشف الحقائق بشفافية لقطع دابر الإشاعات. إن الوصول إلى الحقيقة أظهر أن خلف كل عصا مرفوعة كانت هناك أزمة عائلية تراكمت لسنوات، حتى انفجرت في لحظة غضب غابت فيها الحكمة واختفت فيها الرحمة بين ذوي القربى.
إن تحليل ظاهرة العنف الناتج عن الميراث يشير إلى أن الفقر أو الطمع ليسا وحدهما المحركين لهذه الأفعال، بل إن ضعف الوازع الأخلاقي وغياب ثقافة التنازل وتفضيل المصلحة الشخصية على صلة الرحم هي العوامل الجوهرية. إننا بحاجة إلى ثورة ثقافية تبدأ من الأسرة، تُعلم الأجيال أن المال زائل وأن العائلة هي السند الباقي. لا ينبغي أن نسمح للميراث أن يتحول إلى نقمة تمزق الأوصال، ولا بد أن نتبنى نموذجًا حضاريًا في فض المنازعات يتم فيه الاحتكام إلى الورقة والقلم والمنطق القانوني بدلاً من العصي والأسلحة البيضاء. إن استمرار هذه الظواهر يفرض عبئًا إضافيًا على المنظومة الأمنية التي تستنزف جهدها في فض مشاجرات عائلية كان يمكن حلها برضا الأطراف في قاعات المحاكم أو عبر الوساطة الرشيدة.
ختامًا، يجب أن تكون واقعة البحيرة درسًا للجميع، تذكرنا بأن القوة لا تصنع حقًا، وأن القانون هو الفيصل في فض أي نزاع مهما كانت طبيعته. إننا نشيد بدور وزارة الداخلية في سرعة الفحص والتدقيق، ونشدد على أهمية الوعي المجتمعي في تجنب اللجوء للعنف، فالمجتمع الآمن هو نتاج أفراد يقدرون قيمة القانون ويحترمون قدسية الروابط الأسرية. إن الطريق إلى بناء مجتمع متماسك يبدأ من تصفية النفوس والاعتراف بحقوق الآخرين، فالميراث ليس مجرد أرقام وعقارات تُقسم، بل هو أمانة يجب أن تُؤدى في إطار من المحبة والعدل، حتى لا تتحول الفرحة بالرزق إلى ندم وأحكام قضائية تفرق شمل الأسرة الواحدة وتضع أصحابها خلف القضبان بسبب قرارات طائشة في لحظات غضب.