ما وراء استدعاء قناة مودرن إم تي أي: حينما تضع الرقابة خطوطاً حمراء للإعلام المصري

Supreme-Media-Council-summons-legal-representative-of-Modern-MTA-channel-over-Helwet-Blady-program
ما وراء استدعاء قناة مودرن إم تي أي: حينما تضع الرقابة خطوطاً حمراء للإعلام المصري


شهدت الساحة الإعلامية المصرية مؤخراً تطوراً لافتاً تمثل في تحرك المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تجاه قناة "مودرن إم تي أي"، وذلك على خلفية المحتوى الذي عُرض في برنامج "حلوة بلادي" الذي يقدمه الإعلاميان جابر القرموطي وعبدالناصر زيدان. هذا الاستدعاء لا يعد مجرد إجراء إداري روتيني، بل هو رسالة واضحة في سياق ضبط المشهد الإعلامي الذي بات يعاني من حالة من السيولة في المحتوى، خاصة مع احتدام المنافسة بين البرامج التلفزيونية في محاولة لجذب انتباه الجمهور وزيادة نسب المشاهدة بأي ثمن، وهو ما قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى تجاوز المعايير الأخلاقية أو المهنية التي تحكم العمل الإعلامي في مصر.

إن التساؤل الذي يطرحه المتابعون للمشهد الإعلامي المصري حالياً يتمحور حول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير وبين الانزلاق إلى مستنقع الإثارة المفرطة. فمن وجهة نظري الشخصية، أرى أن هذا التحرك يعكس رغبة المؤسسة الرقابية في إعادة فرض هيبة ميثاق الشرف الإعلامي الذي يغيب أحياناً تحت ضغط "التريند" وتصدر وسائل التواصل الاجتماعي. عندما يجلس إعلاميون مخضرمون مثل القرموطي وزيدان في استوديو واحد، يتوقع المشاهد عمقاً تحليلياً وقيمة مضافة، لا مجرد سجالات قد تُفهم في غير سياقها الصحيح، ومن هنا تأتي أهمية المراجعة القانونية التي يجريها المجلس لضمان عدم خروج الخطاب عن اللباقة العامة التي يتوقعها المجتمع المصري.

من منظور تحليلي، يبدو أن القنوات الفضائية المصرية باتت بحاجة ماسة إلى مراجعة دورية لما يقدمه ضيوفها ومقدمو برامجها قبل أن تصل الأمور إلى ساحات التحقيق أو الاستدعاء الرسمي. ففي عصر المعلومات الرقمية، تنتشر اللقطات المثيرة للجدل كالنار في الهشيم، مما يضع القنوات في موقف حرج أمام الرأي العام وأمام الجهات الرقابية. إن استدعاء الممثل القانوني للقناة يعد فرصة للمساءلة، ليس فقط لتقييم المحتوى بعينه، بل لإعادة ضبط بوصلة المحتوى التحريري للقناة بأكملها، وضمان التزامها بالضوابط التي تحفظ الذوق العام وتمنع التحريض أو الإساءة التي قد تؤثر على النسيج المجتمعي.

وعلى الرغم من أهمية وجود رقابة، إلا أنني أؤكد أن الإعلام الناجح هو الذي يفرض رقابته الذاتية على نفسه. فالتحدي الحقيقي أمام "مودرن إم تي أي" وبرامجها لا يكمن في تجنب الاستدعاء، بل في كيفية تقديم محتوى قوي وجذاب دون الحاجة للجوء إلى الأساليب الصدامية أو الحوارات التي تثير لغطاً أكثر مما تقدم نفعاً. إن الجماهير اليوم أكثر وعياً، وباتت تفرق بوضوح بين النقد البناء وبين الصراخ والاتهامات المتبادلة التي أصبحت سمة لبعض البرامج المسائية، مما يدفع المشاهد في النهاية إلى هجر الشاشة التلفزيونية والبحث عن بدائل أكثر مصداقية وهدوءاً على منصات رقمية عالمية.

ختاماً، يمكننا القول إن هذه الواقعة هي جرس إنذار لكل القنوات الفضائية بضرورة الالتزام بمعايير المهنية، فالمشاهد المصري أصبح يمتلك ذائقة نقدية عالية، ولا يقبل بأقل من تقديم محتوى يحترم عقله. إن قرارات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يجب أن تُؤخذ بجدية بالغة، ليس كقيود على الحرية، بل كحائط صد ضد الفوضى الإعلامية. نأمل أن تؤدي هذه الجلسات الاستماع إلى نتائج إيجابية تُسهم في رفع مستوى الخطاب الإعلامي، وأن تتحول البرامج مثل "حلوة بلادي" إلى منصات بناءة تعزز من قيم المجتمع بدلاً من كونها مصدراً للجدل الذي يستنزف وقت الجمهور ويشتت انتباهه بعيداً عن القضايا الحقيقية والتحديات التي تواجه الوطن.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url