ثورة الكرة النسوية في المغرب: استراتيجية لقجع لصياغة مستقبل كروي رائد
شهدت أروقة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مؤخراً اجتماعاً محورياً ترأسه فوزي لقجع، ليمثل هذا اللقاء ليس مجرد استكمال لأجندة عمل روتينية، بل محطة استراتيجية حاسمة في مسار تطوير المنظومة الكروية الوطنية. لقد كان التركيز على الكرة النسوية وكرة القدم المتنوعة إشارة قوية من القيادة الرياضية المغربية بأن الاستثمار في المواهب لا يعرف الجنس ولا يقتصر على صنف واحد من الرياضة، بل هو مشروع وطني طموح يسعى لوضع المغرب على خارطة الكرة العالمية بصفته قوة ضاربة. إن دفع عجلة الاحتراف في صفوف السيدات يتطلب تضافر الجهود بين التخطيط المركزي المتمثل في الجامعة والتنفيذ الميداني الذي يقع على عاتق العصب الوطنية، وهو ما جعل الحوار المفتوح والمحاسبة الإيجابية عنواناً بارزاً لهذا الاجتماع، سعياً لتذليل العقبات البنيوية واللوجستية التي قد تعيق مسيرة التطور.
في تحليلي الخاص، أرى أن الخطوات التي يقودها لقجع تتجاوز حدود الاهتمام باللعبة في حد ذاتها لتصل إلى عمق الحكامة المؤسساتية، حيث يدرك الجميع أن النجاحات التي حققتها المنتخبات الوطنية في الفترات الأخيرة، سواء على مستوى الفئات السنية أو المنتخب الأول للسيدات، لم تأتِ من فراغ بل نتيجة سياسة تراكمية بدأت تؤتي أكلها. إن مطالبة لقجع بتسريع وتيرة التطوير تحمل في طياتها رسالة واضحة لكل الفاعلين الرياضيين: المرحلة الحالية لا تقبل بـ "الاستقرار النسبي"، بل تفرض السعي نحو التميز العالمي. إن تطوير العصب الوطنية يعني بالضرورة هيكلة القاعدة، لأن قوة أي هرم رياضي تبدأ من صغار الأندية والعصب الجهوية التي تعتبر المصنع الحقيقي للمواهب، وهي النقطة التي ركزت عليها خديجة إلا في تقريرها، مؤكدة أن الانتقال من مرحلة الهواية إلى الاحتراف يتطلب احترافية في التدبير المالي والإداري.
تكمن وجهة نظري في أن التحدي الأكبر الذي يواجه الكرة النسوية اليوم ليس في توفر الموهبة، بل في ديمومة التكوين وضمان استمرارية التنافسية. إن تعزيز حكامة العصب هو المفتاح السحري لترشيد النفقات وتحويلها إلى استثمارات ملموسة في مراكز التكوين والمدارس الكروية. لقد آن الأوان لتجاوز النظرة التقليدية لكرة القدم النسوية كـ "حدث موسمي"، والتعامل معها كصناعة متكاملة لها جمهورها، رعايتها، واقتصادها الخاص. إن الاجتماع الأخير لم يكن مجرد عرض أرقام، بل كان جلسة تقييم نقدية تهدف إلى رصد الثغرات التقنية واللوجستيكية، ومحاولة إيجاد حلول جذرية تتماشى مع الطموحات المغربية في استضافة تظاهرات كبرى، والتي تتطلب جاهزية كاملة على كافة الأصعدة والمستويات.
وعلى صعيد آخر، لا يمكن إغفال أهمية كرة القدم المتنوعة (الفوتسال وغيرها) التي أثبتت علو كعبها في المحافل الدولية، وهي الأخرى تحتاج إلى دعم مؤسساتي يوازي إنجازاتها. الربط بين الكرة النسوية وهذا الصنف الرياضي تحت مظلة واحدة من التفكير الاستراتيجي يعكس رؤية شمولية للجامعة الملكية، حيث تسعى لعدم ترك أي قطاع كروي للصدفة أو الاجتهادات الفردية. إن توجيهات لقجع بضرورة تحسين آليات الاشتغال داخل العصب تؤكد رغبة الجامعة في بناء كيانات قوية قادرة على تسيير شؤونها بذاتها مع الحفاظ على التنسيق المركزي، وهو نموذج إداري متطور قد يغير ملامح المشهد الرياضي المغربي في السنوات العشر القادمة بشكل جذري لا رجعة فيه.
ختاماً، إن التوجه نحو احترافية شاملة في الكرة النسوية وبقية العصب الوطنية يمثل رهاناً ذكياً وضرورياً في آن واحد. إن القوة التي يمتلكها المغرب اليوم في كرة القدم لا تنبع من مهارة اللاعبين فحسب، بل من صرامة الإدارة ووضوح الرؤية. إن المرحلة القادمة ستكون اختباراً حقيقياً لكل من يعمل داخل هذه العصب لتطبيق التوجيهات على أرض الواقع بعيداً عن التبريرات السطحية. نحن بصدد مرحلة "النتائج الملموسة"، حيث سيتم قياس نجاح أي مسؤول بمدى قدرته على رفع مستوى اللعبة وتوسيع قاعدة الممارسات وتحقيق نتائج مستدامة. المغرب ماضٍ في طريقه ليكون رائداً إقليمياً وقارياً، وما هذه النقاشات إلا وقود لمحرك طموح لا يعرف التوقف، ينتظر منه الجمهور المغربي رؤية ثمار جديدة على أرض الملاعب في أقرب الآجال.