القضاء يبدأ محاكمة منتخبين وأعوان سلطة في ملف انهيار عمارتين بفاس

Judiciary-begins-trial-of-elected-officials-and-authorities-agents-in-Fez-buildings-collapse-case
القضاء يبدأ محاكمة منتخبين وأعوان سلطة في ملف انهيار عمارتين بفاس


{ "title": "فاجعة عقارات فاس أمام قبة القضاء: هل يحاسب المفسدون عن دماء الأبرياء؟", "searchDescription": "تحليل لملف انهيار عمارات فاس وتفاصيل المحاكمة المرتقبة لـ 21 متهماً، وسط تساؤلات حول المسؤولية الإدارية والسياسية في التغاضي عن خروقات البناء.", "content": "

تستعد أروقة محكمة الاستئناف بالعاصمة العلمية فاس لاستقبال ملف من العيار الثقيل، حيث تدق الساعة لتكشف عن فصول المحاكمة المنتظرة لواحد وعشرين شخصاً، بينهم منتخبون وأعوان سلطة، على خلفية الكارثة التي هزت المدينة في دجنبر الماضي بانهيار عمارات سكنية. إن هذا الملف لا يمثل مجرد قضية جنائية عادية، بل هو اختبار حقيقي لنزاهة المؤسسات في مواجهة الفساد المستشري في قطاع التعمير، حيث أصبحت أرواح المواطنين رهينة لصفقات مشبوهة وتراخيص غير قانونية، وهو ما يضع القضاء أمام مسؤولية تاريخية لإنصاف الضحايا وإعادة الاعتبار لهيبة القانون في قطاع يعاني من تراكمات التجاوزات لسنوات طويلة.

في قراءتي الخاصة لهذا المشهد، أرى أن متابعة مسؤولين محليين ومنتخبين تعكس تحولاً نوعياً في مقاربة الدولة لملفات الكوارث العقارية؛ فالأمر لم يعد يقتصر على المقاول أو صاحب المشروع فحسب، بل امتد ليشمل "المتواطئين" الذين سخروا نفوذهم ومناصبهم لتغطية الاختلالات. إن انهيار العمارات لم يكن وليد الصدفة أو سوء الأحوال الجوية، بل هو نتيجة حتمية لشبكة من المصالح المتقاطعة التي تغاضت عن معايير السلامة، واستباحت الرخص الإدارية لتشييد طوابق إضافية أو استخدام مواد بناء مغشوشة، تحت أعين أطراف كان من المفترض أن تكون الحصن المنيع لتطبيق قوانين التعمير في البلاد.

إن ما يثير القلق في قضية فاس هو التساؤل الجوهري: كيف استطاعت هذه العمارات أن تكتمل وتؤوي سكاناً دون أن تتحرك مصالح الرقابة طيلة مراحل البناء؟ إنها أزمة ضمير مهني وأخلاقي قبل أن تكون أزمة معمارية. فالمتهمون الذين سيقفون أمام غرفة الجنايات يوم الإثنين المقبل يمثلون حلقة في سلسلة طويلة من "الإفلات من العقاب" التي تغلغلت في النسيج الإداري لبعض الجماعات الترابية، وهو ما يدعونا للتساؤل حول مدى جدية التدابير الوقائية المتخذة حالياً لمنع تكرار مثل هذه السيناريوهات الدامية في مدن أخرى تعاني من طفرة عمرانية غير مضبوطة.

أعتقد أن هذه المحاكمة يجب أن تتجاوز حدود إدانة الأفراد إلى تفكيك \"لوبيات البناء\" التي تتلاعب بحياة البشر. يجب أن يكون الحكم الصادر عن المحكمة درساً قاسياً لكل من تسول له نفسه استغلال منصبه أو نفوذه السياسي للتغاضي عن مخالفات تعميرية جسيمة. فالعدالة التي تكتفي بالرموز الصغرى قد تخفق في تحقيق الردع المطلوب؛ لذا فإن المجتمع ينتظر حكماً يقضي على جذور الفساد التعميري، ويؤكد أن القانون يعلو ولا يعلى عليه، وأن دم الضحايا لن يذهب هدراً أمام ألاعيب القانون والثغرات الإدارية التي يستخدمها البعض للإفلات من المحاسبة.

ختاماً، إن ملف عمارات فاس يمثل مرآة تعكس واقعاً مريراً يتطلب إصلاحاً جذرياً لقطاع البناء والتعمير في المغرب. لا نحتاج فقط إلى محاكمات لاحقة للوقائع، بل نحتاج إلى مراجعة شاملة لآليات المراقبة والمحاسبة الاستباقية، بحيث يتم تفعيل دور السلطات المحلية والمنتخبين في حماية النسيج العمراني وليس في تدميره. إننا نترقب بكثير من الأمل والحيطة قرارات القضاء يوم الاثنين القادم، على أمل أن تكون هذه القضية بداية لنهاية زمن التسيُّب الذي أودى بحياة الأبرياء، وأن تضع حداً للعبث الذي يمارس في حق مدننا التاريخية ومواطنينا البسطاء الباحثين عن مأوى آمن.

" }

المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url